فصل: تفسير الآيات رقم (31- 41)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البحر المحيط في تفسير القرآن ***


تفسير الآيات رقم ‏[‏52- 62‏]‏

‏{‏وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آَيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ‏(‏52‏)‏ لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ ‏(‏53‏)‏ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آَمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ‏(‏54‏)‏ وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ ‏(‏55‏)‏ الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ‏(‏56‏)‏ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا فَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ ‏(‏57‏)‏ وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ‏(‏58‏)‏ لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ ‏(‏59‏)‏ ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ ‏(‏60‏)‏ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ‏(‏61‏)‏ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ ‏(‏62‏)‏‏}‏

العقم‏:‏ الامتناع من الولادة، يقال‏:‏ امرأة عقيم ورجل عقيم لا يولد له، والجمع عقم وأصله من القطع، ومنه الملك عقيم أي يقطع فيه الأرحام بالقتل، والعقيم الذي قطعت ولادتها‏.‏ وقال أبو عبيد العقم السد، يقال‏:‏ امرأة معقومة الرحم أي مسدودة الرحم‏.‏

‏{‏وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم وإن الظالمين لفي شقاق بعيد وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم وأن الله لهادي الذين آمنوا إلى صراط مستقيم ولا يزال الذين كفروا في مرية منه حتى تأتيهم الساعة بغتة أو يأتيهم عذاب يوم عقيم الملك يومئذ لله يحكم بينهم فالذين آمنوا وعملوا الصالحات في جنات النعيم والذين كفروا وكذبوا بآياتنا فأولئك لهم عذاب مهين والذين هاجروا في سبيل الله ثم قتلوا أو ماتوا ليرزقنهم الله رزقاً حسناً وإن الله لهو خير الرازقين ليدخلنهم مدخلاً يرضونه وإن الله لعليم حليم ذلك ومن عاقب بمثل ما عوقب به ثم بُغي عليه لينصرنه الله إن الله لعفوّ غفور ذلك بأن الله يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وأن الله سميع بصير ذلك بأن الله هو الحق وأنما يدعونه من دونه هو الباطل وأن الله هو العلي الكبير‏}‏‏.‏

لما ذكر تعالى أنه يدفع عن الذين آمنوا وأنه تعالى أذن للمؤمنين في القتال وأنهم كانوا أخرجوا من ديارهم وذكر مسلاة رسوله صلى الله عليه وسلم بتكذيب من تقدم من الأمم لأنبيائهم وما آل إليه أمرهم من الإهلاك إثر التكذيب وبعد الإمهال، وأمره أن ينادي الناس ويخبرهم أنه نذير لهم بعد أن استعجلوا بالعذاب، وأنه ليس له تقديم العذاب ولا تأخيره، ذكر له تعالى مسلاة ثانية باعتبار من مضى من الرسل والأنبياء وهو أنهم كانوا حريصين على إيمان قومهم متمنين لذلك مثابرين عليه، وأنه ما منهم أحد إلاّ وكان الشيطان يراغمه بتزيين الكفر لقومه وبث ذلك إليهم وإلقائه في نفوسهم، كما أنه صلى الله عليه وسلم كان من أحرص الناس على هدى قومه وكان فيهم شياطين كالنضر بن الحارث يلقون لقومه وللوافدين عليه شبهاً يثبطون بها عن الإسلام، ولذلك جاء قبل هذه الآية ‏{‏والذين سعوا في آياتنا معاجزين‏}‏ وسعيهم بإلقاء الشبه في قلوب من استمالوه، ونسب ذلك إلى الشيطان لأنه هو المغوي والمحرك شياطين الإنس للإغواء كما قال ‏{‏لأغوينهم‏}‏ وقيل‏:‏ إن ‏{‏الشيطان‏}‏ هنا هو جنس يراد به شياطين الإنس‏.‏ والضمير في ‏{‏أمنيته‏}‏ عائد على ‏{‏الشيطان‏}‏ أي في أمنية نفسه، أي بسبب أمنية نفسه‏.‏

ومفعول ‏{‏ألقى‏}‏ محذوف لفهم المعنى وهو الشر والكفر، ومخالفة ذلك الرسول أو النبيّ لأن الشيطان ليس يلقي الخير‏.‏ ومعنى ‏{‏فينسخ الله ما يلقي الشيطان‏}‏ أي يزيل تلك الشبه شيئاً فشيئاً حتى يسلم الناس، كما قال ‏{‏ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً‏}‏ و‏{‏يحكم الله آياته‏}‏ أي معجزاته يظهرها محكمة لا لبس فيها ‏{‏ليجعل ما يلقي الشيطان‏}‏ من تلك الشبه وزخارف القول ‏{‏فتنة‏}‏ لمريض القلب ولقاسيه ‏{‏وليعلم‏}‏ من أوتي العلم أن ما تمنى الرسول والنبيّ من هداية قومه وإيمانهم هو الحق‏.‏ وهذه الآية ليس فيها إسناد شيء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، إنما تضمنت حالة من كان قبله من الرسل والأنبياء إذا تمنوا‏.‏

وذكر المفسرون في كتبهم ابن عطية والزمخشري فمن قبلها ومن بعدهما ما لا يجوز وقوعه من آحاد المؤمنين منسوباً إلى المعصوم صلوات الله عليه، وأطالوا في ذلك وفي تقريره سؤالاً وجواباً وهي قصة سئل عنها الإمام محمد بن إسحاق جامع السيرة النبوية، فقال‏:‏ هذا من وضع الزنادقة، وصنف في ذلك كتاباً‏.‏ وقال الإمام الحافظ أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي‏:‏ هذه القصة غير ثابتة من جهة النقل، وقال ما معناه‏:‏ إن رواتها مطعون عليهم وليس في الصحاح ولا في التصانيف الحديثة شيء مما ذكروه فوجب اطّراحه ولذلك نزهت كتابي عن ذكره فيه‏.‏ والعجب من نقل هذا وهم يتلون في كتاب الله تعالى ‏{‏والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم وما غوى وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى‏}‏ وقال الله تعالى آمراً لنبيه ‏{‏قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلاّ ما يوحى إليّ‏}‏ وقال تعالى ‏{‏ولو تقوّل علينا بعض الأقاويل‏}‏ الآية وقال تعالى‏:‏ ‏{‏ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم‏}‏ الآية فالتثبيت واقع والمقاربة منفية‏.‏ وقال تعالى ‏{‏كذلك لنثبت به فؤادك‏}‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏سنقرئك فلا تنسى‏}‏ وهذه نصوص تشهد بعصمته، وأما من جهة المعقول فلا يمكن ذلك لأن تجويزه يطرق إلى تجويزه في جميع الأحكام والشريعة فلا يؤمن فيها التبديل والتغيير، واستحالة ذلك معلومة‏.‏

ولنرجع إلى تفسير بعض ألفاظ الآية إذ قد قررنا ما لاح لنا فيها من المعنى فقوله ‏{‏من قبلك‏}‏ ‏{‏من‏}‏ فيه لابتداء الغاية و‏{‏من‏}‏ في ‏{‏من رسول‏}‏ زائدة تفيد استغراق الجنس‏.‏ وعطف ‏{‏ولا نبي‏}‏ على ‏{‏من رسول‏}‏ دليل على المغايرة‏.‏ وقد تقدم لنا الكلام على مدلوليهما فأغنى عن إعادته هنا، وجاء بعد ‏{‏إلا‏}‏ جملة ظاهرها الشرط وهو ‏{‏إذا تمنى ألقى الشيطان‏}‏ وقاله الحوفي، ونصوا على أنه يليها في النفي مضارع لا يشترط فيه شرط، فتقول‏:‏ ما زيد إلاّ بفعل كذا، وما رأيت زيداً إلاّ يفعل كذا، وماض بشرط أن يتقدمه فعل كقوله ‏{‏وما يأتيهم من رسول إلاّ كانوا‏}‏

أو يكون الماضي مصحوباً بقد نحو‏:‏ ما زيد إلاّ قد قام، وما جاء بعد ‏{‏إلاّ‏}‏ في الآية جملة شرطية ولم يلها مرض مصحوب بقد ولا عار منها، فإن صح ما نصوا عليه تؤول على أن إذا جردت للظرفية ولا شرط فيها وفصل بها بين ‏{‏إلاّ‏}‏ والفعل الذي هو ‏{‏ألقى‏}‏ وهو فصل جائز فتكون إلاّ قد وليها ماض في التقدير ووجد شرطه وهو تقدم فعل قبل ‏{‏إلاّ‏}‏ وهو ‏{‏ما أرسلنا‏}‏ وعاد الضمير في ‏{‏تمنى‏}‏ مفرداً وذكروا أنه إذا كان العطف بالواو عاد الضمير مطابقاً للمتعاطفين، وهذا عطف بالواو وما جاء غير مطابق أولوه على الحذف فيكون تأويل هذا ‏{‏وما أرسلنا من قبلك من رسول‏}‏ ‏{‏إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته‏}‏ ‏{‏ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته‏}‏ فحذف من الأول لدلالة الثاني عليه و‏{‏تمنى‏}‏ تفعل من المنية‏.‏

قال أبو مسلم‏:‏ التمني نهاية التقدير، ومنه المنية وفاة الإنسان للوقت الذي قدره الله، ومنى الله لك أي قدر‏.‏ وقال رواه اللغة‏:‏ الأمنية القراءة، واحتجوا ببيت حسان وذلك راجع إلى الأصل الذي ذكر فإن التالي مقدر للحروف فذكرها شيئاً فشيئاً انتهى‏.‏ وبيت حسان‏:‏

تمنى كتاب الله أول ليلة *** وآخره لاقى حمام المقادر

وقال آخر‏:‏

تمنى كتاب الله أول ليلة *** تمنى داوود الزبور على الرسل

وحمل بعض المفسرين قوله ‏{‏إذا تمنى‏}‏ على تلا و‏{‏في أمنيته‏}‏ على تلاوته‏.‏ والجملة بعد ‏{‏إلاّ‏}‏ في موضع الحال أي ‏{‏وما أرسلنا‏}‏ إلاّ، وحاله هذه‏.‏ وقيل‏:‏ الجملة في موضع الصفة وهو قول الزمخشري في نحو‏:‏ ما مررتُ بأحد إلاّ زيد خير منه، والصحيح أن الجملة حالية لا صفة لقبولها واو الحال، واللام في ‏{‏ليجعل‏}‏ متعلقة بيحكم قاله الحوفي‏.‏ وقال ابن عطية‏:‏ بينسخ‏.‏ وقال غيرهما‏:‏ بألقى، والظاهر أنها للتعليل‏.‏ وقيل‏:‏ هي لام العاقبة و‏{‏ما‏}‏ في ‏{‏ما يلقي‏}‏ الظاهر أنها بمعنى الذي، وجوَّز أن تكون مصدرية‏.‏

والفتنة‏:‏ الابتلاء والاختبار‏.‏ والذين في قلوبهم مرض عامة الكفار‏.‏ وقال الزمخشري‏:‏ المنافقون والشاكون ‏{‏والقاسية قلوبهم‏}‏ خواص من الكفار عتاة كأبي جهل والنضر وعتبة‏.‏ وقال الزمخشري‏:‏ المشركون المكذبون ‏{‏وإن الظالمين‏}‏ يريد وإن هؤلاء المنافقين والمشركين، وأصله وإنهم فوضع الظاهر موضع المضمر، قضاء عليهم بالظلم‏.‏ والشقاق المشاقة أي في شق غير شق الصلاح، ووصفه بالبعيد مبالغة في انتهائه وأنهم غير مرجو رجعتهم منه‏.‏

والضمير في‏:‏ ‏{‏أنه‏}‏ قال ابن عطية‏:‏ عائد على القرآن ‏{‏والذين أوتوا العلم‏}‏ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد تقدم من قولنا في الآية ما يعود الضمير إليه ‏{‏فتخبت‏}‏ أي تتواضع وتتطامن بخلاف من في قلبه مرض وقسا قلبه‏.‏ وقرأ الجمهور ‏{‏لهاد الذين آمنوا‏}‏ الإضافة، وأبو حيوة وابن أبي عبلة بتنوين ‏{‏الهاد‏}‏‏.‏

المرية‏:‏ الشك‏.‏ والضمير في ‏{‏منه‏}‏ قيل‏:‏ عائد على القرآن‏.‏ وقيل‏:‏ على الرسول‏.‏

وقيل‏:‏ ما ألقى الشيطان، ولما ذكر حال الكافرين أولاً ثم حال المؤمنين ثانياً عاد إلى شرح حال الكافرين، والظاهر أن ‏{‏الساعة‏}‏ يوم القيامة‏.‏ قيل‏:‏ واليوم العقيم يوم بدر‏.‏ وقيل‏:‏ ساعة موتهم أو قتلهم في الدنيا كيوم بدر، واليوم العقيم يوم القيامة‏.‏

وقال الزمخشري‏:‏ اليوم العقيم يوم بدر، وإنما وصف يوم الحرب بالعقيم لأن أولاد النساء يقتلون فيه فيصرن كأنهن عقم لم يلدن، أو لأن المقاتلين يقال لهم أبناء الحرب فإذا قتلوا وصف يوم الحرب بالعقم على سبيل المجاز‏.‏

وقيل‏:‏ هو الذي لا خير فيه يقال‏:‏ ريح عقيم إذا لم تنشئ مطراً ولم تلقح شجراً‏.‏ وقيل‏:‏ لا مثل له في عظم أمره لقتال الملائكة فيه‏.‏ وعن الضحاك‏:‏ إنه يوم القيامة وإن المراد بالساعة مقدماته ويجوز أن يراد بالساعة و‏{‏يوم عقيم‏}‏ يوم القيامة كأنه قيل ‏{‏حتى تأتيهم الساعة‏}‏ أو يأتيهم عذابها فوضع ‏{‏يوم عقيم‏}‏ موضع الضمير انتهى‏.‏ وقال ابن عطية‏:‏ وسمي يوم القيامة أو يوم الاستئصال عقيماً لأنه لا ليلة بعده ولا يوم، والأيام كلها نتائج يجيء واحد أثر واحد، وكان آخر يوم قد عقم وهذه استعارة، وجملة هذه الآية توعد انتهى‏.‏ و‏{‏حتى‏}‏ غاية لاستمرار مريتهم، فالمعنى ‏{‏حتى تأتيهم الساعة‏}‏ ‏{‏أو عذاب يوم عقيم‏}‏ فتزول مريتهم ويشاهدون الأمر عياناً‏.‏

والتنوين في ‏{‏يومئذ‏}‏ تنوين العوض، والجملة المعوض منها هذا التنوين هو الذي حذف بعد الغاية أي ‏{‏الملك‏}‏ يوم تزول مريتهم وقدره الزمخشري أولاً يوم يؤمنون وهو لازم لزوال المرية، فإنه إذا زالت المرية آمنوا، وقدر ثانياً كما قدرنا وهو الأولى‏.‏ والظاهر أن هذا اليوم هو يوم القيامة من حيث أنه لا ملك فيه لأحد من ملوك الدنيا كما قال تعالى ‏{‏لمن الملك اليوم‏}‏ ويساعد هذا التقسيم بعده، ومن قال إنه يوم بدر ونحوه فمن حيث ينفذ قضاء الله وحده ويبطل ما سواه ويمضي حكمه فيمن أراد تعذيبه، ويكون التقسيم إخباراً متركباً على حالهم في ذلك اليوم العقيم من الإيمان والكفر وألفاظ التقسيم ومعانيها واضحة لا تحتاج إلى شرح‏.‏ وقابل النعيم بالعذاب ووصفه بالمهين مبالغة فيه‏.‏

‏{‏والذين هاجروا‏}‏ الآية هذا ابتداء معنى آخر، وذلك أنه لما مات عثمان بن مظعون وأبو سلمة بن عبد الأسد قال بعض الناس‏:‏ من قتل من المهاجرين أفضل ممن مات حتف أنفه، فنزلت مسوِّية بينهم في أن الله يرزقهم ‏{‏رزقاً حسناً‏}‏ وظاهر ‏{‏والذين هاجروا‏}‏ العموم‏.‏ وقال مجاهد‏:‏ نزلت في طوائف خرجوا من مكة إلى المدينة للهجرة فتبعهم المشركون وقاتلوهم‏.‏ وروي أن طوائف من الصحابة قالوا‏:‏ يا نبيّ الله هؤلاء الذين قتلوا قد علمنا ما أعطاهم الله من الخير ونحن نجاهد معك كما جاهدوا، فما لنا إن متنا معك‏؟‏ فأنزل الله هاتين الآيتين‏.‏

وقال الزمخشري‏:‏ لما جمعتهم المهاجرة في سبيل الله سوّى بينهم في الموعد أن يعطى من مات منهم مثل ما يعطى من قتل فضلاً منه وإحساناً والله عليم بدرجات العاملين ومراتب استحقاقهم، حليم عن تفريط المفرط منهم بفضله وكرمه انتهى‏.‏

وفي قوله‏:‏ ومراتب استحقاقهم دسيسة الاعتزال، والتسوية في الوعد بالرزق لا تدل على تفضيل في قدر المعطى، ولا تسوية فإن يكن تفضيل فمن دليل آخر وظاهر الشريعة أن المقتول أفضل‏.‏ وقيل‏:‏ المقتول والميت في سبيل الله شهيدان‏.‏

والرزق الحسن يحتمل أن يراد به رزق الشهداء في البرزخ، ويحتمل أنه بعد يوم القيامة في الجنة وهو النعيم فيها‏.‏ وقال الكلبي‏:‏ هو الغنيمة‏.‏ وقال الأصلم‏:‏ هو العلم والفهم كقول شعيب ‏{‏ورزقني منه رزقاً حسناً‏}‏ وضعف هذان القولان لأنه تعالى جعل الرزق الحسن جزاء على قتلهم في سبيل الله أو موتهم بعد هجرتهم، وبعد ذلك لا يكون الرزق في الدنيا‏.‏ والظاهر أن ‏{‏خير الرازقين‏}‏ أفعل تفضيل، والتفاوت أنه تعالى مختص بأن يرزق بما لا يقدر عليه غيره تعالى، وبأنه الأصل في الرزق وغيره إنما يرزق بماله من الرزق من جهة الله‏.‏

ولما ذكر الرزق ذكر المسكن فقال ‏{‏ليدخلنهم مدخلاً يرضونه‏}‏ وهو الجنة يرضونه يختارونه إذ فيه رضاهم كما قال ‏{‏لا يبغون عنها حولاً‏}‏ وتقدم الخلاف في القراءة بضم الميم أو فتحها في النساء، والأولى أن يكون يراد بالمدخل مكان الدخول أو مكان الإدخال، ويحتمل أن يكون مصدراً‏.‏

‏{‏ذلك ومن عاقب‏}‏ الآية قيل‏:‏ نزلت في قوم من المؤمنين لقيهم كفار في الأشهر الحرم فأبى المؤمنون من قتالهم وأبى المشركون إلاّ القتال، فلما اقتتلوا جدّ المؤمنون ونصرهم الله‏.‏ ومناسبتها لما قبلها واضحة وهو أنه تعالى لما ذكر ثواب من هاجر وقتل أو مات في سبيل الله أخبر أنه لا يدع نصرتهم في الدنيا على من بغى عليهم‏.‏ وقال ابن جريج‏:‏ الآية في المشركين بغوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخرجوه والتقدير الأمر ذلك‏.‏ قال الزمخشري‏:‏ تسمية الابتداء بالجزاء لملابسته له من حيث إنه سبب وذلك مسبب عنه كما يجملون النظير على النظير والنقيض على النقيض للملابسة فإن قلت‏:‏ كيف طابق ذكر العفو الغفور هذا الموضع‏؟‏ قلت‏:‏ المعاقب مبعوث من جهة الله عز وجل على الإخلال بالعقاب، والعفو عن الجاني على طريق التنزيه لا التحريم ومندوب إليه ومستوجب عند الله المدح إن آثر ما ندب إليه وسلك سبيل التنزيه، فحين لم يؤثر ذلك وانتصر وعاقب ولم ينظر في قول ‏{‏فمن عفا وأصلح فأجره على الله‏}‏ ‏{‏وأن تعفوا أقرب للتقوى‏}‏ ‏{‏ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور‏}‏ فإن ‏{‏الله لعفوّ غفور‏}‏ أي لا يلومه على ترك ما بعثه عليه وهو ضامن لنصره في كرته الثانية من إخلاله بالعفو وانتقامه من الباغي عليه، ويجوز أن يضمن له النصر على الباغي فيعرض مع ذلك بما كان أولى به من العفو، ويلوح به ذكر هاتين الصفتين أو دل بذكر العفو والمغفرة على أنه قادر على العقوبة لأنه لا يوصف بالعفو إلاّ القادر على حده ذلك، أي ذلك النصر بسبب أنه قادر‏.‏

ومن آيات قدرته البالغة أنه ‏{‏يولج الليل في النهار‏}‏ و‏{‏النهارَ في الليل‏}‏ أو بسبب أنه خالق الليل والنهار ومصرفهما فلا يخفى عليه ما يجري فيهما على أيدي عباده من الخير والشر والبغي والانتصار‏.‏ وأنه ‏{‏سميع‏}‏ لما يقولون ‏{‏بصير‏}‏ بما يفعلون وتقدم في أوائل آل عمران شرح هذا الإيلاج‏.‏

‏{‏ذلك‏}‏ أي ذلك الوصف بخلق الليل والنهار والإحاطة بما يجري فيهما وإدراك كل قول وفعل بسبب ‏{‏أن الله‏}‏ ‏{‏الحق‏}‏ الثابت الإلهية وأن كل ما يدعى إلهاً دونه باطل الدعوة، وأنه لا شيء أعلى منه شأناً وأكبر سلطاناً‏.‏ وقرأ الجمهور ‏{‏وأن ما‏}‏ بفتح الهمزة‏.‏ وقرأ الحسن بكسرها‏.‏ وقرأ الاخوان وأبو عمرو وحفص ‏{‏يدعون‏}‏ بياء الغيبة هنا في لقمان‏.‏ وقرأ باقي السبعة بتاء الخطاب وكلاهما الفعل فيه مبني للفاعل‏.‏ وقرأ مجاهد واليماني وموسى الأسواري يدعو بالياء مبنياً للمفعول والواو عائدة على ما على معناها و‏{‏ما‏}‏ الظاهر أنها أصنامهم‏.‏ وقيل‏:‏ الشياطين والأولى العموم في كل مدعو دون الله تعالى‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏63- 69‏]‏

‏{‏أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ ‏(‏63‏)‏ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ‏(‏64‏)‏ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ‏(‏65‏)‏ وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ ‏(‏66‏)‏ لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ ‏(‏67‏)‏ وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ ‏(‏68‏)‏ اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ‏(‏69‏)‏‏}‏

لما ذكر تعالى ما دل على قدرته الباهرة من إيلاج الليل في النهار والنهار في الليل وهما أمران مشاهدان مجيء الظلمة والنور، ذكر أيضاً ما هو مشاهد من العالم العلوي والعالم السفلي، وهو نزول المطر وإنبات الأرض وإنزال المطر واخضرار الأرض مرئيان، ونسبة الإنزال إلى الله تعالى مدرك بالعقل‏.‏ وقال أبو عبد الله الرازي‏:‏ الماء وإن كان مرئياً إلاّ أن كون الله منزله من السماء غير مرئي إذا ثبت هذا وجب حمله على العلم، لأن المقصود من تلك الرؤية إذا لم يقترن بها العلم كانت كأنها لم تحصل‏.‏

وقال الزمخشري‏:‏ فإن قلت‏:‏ هلا قيل فأصبحت ولم صرف إلى لفظ المضارع‏؟‏ قلت‏:‏ لنكتة فيه وهي إفادة بقاء أثر المطر زماناً بعد زمان‏.‏ كما تقول أنعم عليّ فلان عام كذا، فأروح وأغدو شاكراً له‏.‏ ولو قلت فرحت وغدوت لم يقع ذلك الموقع‏.‏

فإن قلت‏:‏ فما باله رفع ولم ينصب جواباً للاستفهام‏؟‏ قلت‏:‏ لو نصب لأعطى ما هو عكس الغرض، لأن معناه إثبات الاخضرار فينقلب بالنصب إلى نفي الاخضرار مثاله أن تقول لصاحبك‏:‏ ألم تر أني أنعمت عليك فتشكر إن نصبته فأنت ناف لشكره شاك تفريطه، وإن رفعته فأنتم مثبت للشكر هذا وأمثاله مما يجب أن يرغب له من اتسم بالعلم في علم الإعراب وتوقير أهله‏.‏

وقال ابن عطية‏:‏ وقوله ‏{‏فتصبح الأرض‏}‏ بمنزلة قوله فتضحى أو تصير عبارة عن استعجالها أثر نزول الماء واستمرارها كذلك عادة ووقع قوله ‏{‏فتصبح‏}‏ من حيث الآية خبراً، والفاء عاطفة وليست بجواب لأن كونها جواباً لقوله ‏{‏ألم تر‏}‏ فاسد المعنى انتهى‏.‏ ولم يبين هو ولا الزمخشري كيف يكون النصب نافياً للاخضرار، ولا كون المعنى فاسداً‏.‏ وقال سيبويه‏:‏ وسألته يعني الخليل عن ‏{‏ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة‏}‏ فقال‏:‏ هذا واجب وهو تنبيه‏.‏ كأنك قلت‏:‏ أتسمع أنزل الله من السماء ماء فكان كذا وكذا‏.‏ قال ابن خروف، وقوله فقال هذا واجب، وقوله فكان كذا يريد أنهما ماضيان، وفسر الكلام بأتسمع ليريك أنه لا يتصل بالاستفهام لضعف حكم الاستفهام فيه، ووقع في الشرقية عوض أتسمع انتبه انتهى‏.‏ ومعنى في الشرقية في النسخة الشرقية من كتاب سيبويه‏.‏

وقال بعض شراح الكتاب ‏{‏فتصبح‏}‏ لا يمكن نصبه لأن الكلام واجب ألا ترى أن المعنى ‏{‏أن الله أنزل‏}‏ فالأرض هذا حالها‏.‏ وقال الفراء ‏{‏ألم تر‏}‏ خبر كما تقول في الكلام اعلم أن الله يفعل كذا فيكون كذا انتهى‏.‏ ويقول إنما امتنع النصب جواباً للاستفهام هنا لأن النفي إذا دخل عليه الاستفهام وإن كان يقتضي تقريراً في بعض الكلام هو معامل معاملة النفي المحض في الجواب ألا ترى إلى قوله

‏{‏ألست بربكم قالوا بلى‏}‏ وكذلك في الجواب بالفاء إذا أجبت النفي كان على معنيين في كل منهما ينتفي الجواب، فإذا قلت‏:‏ ما تأتينا فتحدثنا بالنصب، فالمعنى ما تأتينا محدثاً إنما يأتي ولا يحدث، ويجوز أن يكون المعنى إنك لا تأتي فكيف تحدث، فالحديث منتفٍ في الحالتين والتقرير بأداة الاستفهام كالنفي المحض في الجواب يثبت ما دخلته الهمزة، وينتفي الجواب فيلزم من هذا الذي قررناه إثبات الرؤية وانتفاء الاخضرار وهو خلاف المقصود‏.‏ وأيضاً فإن جواب الاستفهام ينعقد منه مع الاستفهام السابق شرط وجزاء فقوله‏:‏

ألم تسأل فتخبرك الرسوم *** يتقدر أن تسأل فتخبرك الرسوم، وهنا لا يتقدر أن ترى إنزال المطر تصبح الأرض مخضرة لأن اخضرارها ليس مترتباً على علمك أو رؤيتك، إنما هو مترتب على الإنزال، وإنما عبر بالمضارع لأن فيه تصويراً للهيئة التي الأرض عليها، والحالة التي لابست الأرض، والماضي يفيد انقطاع الشيء وهذا كقول جحدر بن معونة العكلي، يصف حاله مع أشد نازلة في قصة جرت له مع الحجاج بن يوسف‏:‏

يسمو بناظرتين تحسب فيهما *** لما أجالهما شعاع سراج

لما نزلت بحصن أزبر مهصر *** للقرن أرواح العدا محاج

فأكر أحمل وهو يقعي باسته *** فإذا يعود فراجع أدراجي

وعلمت أني إن أبيت نزاله *** أني من الحجاج لست بناجي

فقوله‏:‏ فأكر تصوير للحالة التي لابسها‏.‏ والظاهر تعقب اخضرار الأرض إنزال المطر وذلك موجود بمكة وتهامة فقط قاله عكرمة وأخذ تصبح على حقيقتها أي‏:‏ تصبح، من ليلة المطر‏.‏ وذهب إلى أن الاخضرار في غير مكة وتهامة يتأخر‏.‏ وقال ابن عطية‏:‏ وقد شاهدت هذا في السوس الأقصى نزل المطر ليلاً بعد قحط فأصبحت تلك الأرض الرملة التي قد نسفتها الرياح قد اخضرّت بنبات ضعف انتهى‏.‏

وإذا جعلنا ‏{‏فتصبح‏}‏ بمعنى فتصير لا يلزم أن يكون ذلك الاخضرار في وقت الصباح، وإذا كان الاخضرار متأخراً عن إنزال المطر فثم جمل محذوفة التقدير، فتهتز وتربو فتصبح يبين ذلك قوله تعالى ‏{‏فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت‏}‏ وقرئ ‏{‏مخضرة‏}‏ على وزن مفعلة ومسبعة أي ذات خضر، وخص تصبح دون سائر أوقات النهار لأن رؤية الأشياء المحبوبة أول النهار أبهج وأسر للرائي‏.‏

‏{‏إن الله لطيف‏}‏ أي باستخراج النبات من الأرض بالماء الذي أنزله ‏{‏خبير‏}‏ بما يحدث عن ذلك النبت من الحب وغيره‏.‏ وقيل ‏{‏خبير‏}‏ بلطيف التدبير ‏{‏خبير‏}‏ بالصنع الكثير‏.‏ وقيل‏:‏ ‏{‏خبير‏}‏ بمقادير مصالح عباده فيفعل على قدر ذلك من غير زيادة ولا نقصان‏.‏ وقال ابن عباس ‏{‏لطيف‏}‏ بأرزاق عباده ‏{‏خبير‏}‏ بما في قلوبهم من القنوط‏.‏ وقال الكلبي ‏{‏لطيف‏}‏ بأفعاله ‏{‏خبير‏}‏ بأعمال خلقه‏.‏ وقال الزمخشري ‏{‏لطيف‏}‏ وأصل علمه أو فضله إلى كل شيء ‏{‏خبير‏}‏ بمصالح الخلق ومنافعهم‏.‏ وقال ابن عطية‏:‏ واللطيف المحكم للأمور برفق‏.‏

‏{‏ما في الأرض‏}‏ يشمل الحيوان والمعادن والمرافق‏.‏

وقرأ الجمهور ‏{‏والفلك‏}‏ بالنصب وضم اللام ابن مقسم والكسائي عن الحسن، وانتصب عطفاً على ‏{‏ما‏}‏ ونبه عليها وإن كانت مندرجة في عموم ما تنبيهاً على غرابة تسخيرها وكثرة منافعها، وهذا هو الظاهر‏.‏ وجوز أن يكون معطوفاً على الجلالة بتقدير وأن ‏{‏الفلك‏}‏ وهو إعراب بعيد عن الفصاحة و‏{‏تجري‏}‏ حال على الإعراب الظاهر‏.‏ وفي موضع الجر على الإعراب الثاني‏.‏ وقرأ السلمي والأعرج وطلحة وأبو حيوة والزعفراني بضم الكاف مبتدأ وخبر، ومن أجاز العطف على موضع اسم إن أجازه هنا فيكون ‏{‏تجري‏}‏ حالاً‏.‏ والظاهر أن ‏{‏أن تقع‏}‏ في موضع نصب بدل اشتمال، أي ويمنع وقوع السماء على الأرض‏.‏ وقيل هو مفعول من أجله يقدره البصريون كراهة ‏{‏أن تقع‏}‏ والكوفيون لأن لا تقع‏.‏ وقوله ‏{‏إلا بإذنه‏}‏ أي يوم القيامة كأن طي السماء بعض هذه الهيئة لوقوعها، ويجوز أن يكون ذلك وعيداً لهم في أنه إن أذن في سقوطها كسفاً عليكم سقطت كما في قولهم‏:‏ أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفاً و‏{‏إلا بإذنه‏}‏ متعلق بأن تقع أي ‏{‏إلاّ بإذنه‏}‏ فتقع‏.‏ وقال ابن عطية‏:‏ ويحتمل أن يعود قوله ‏{‏إلاّ بإذنه‏}‏ على الإمساك لأن الكلام يقتضي بغير عمد ونحوه، فكأنه أراد إلاّ بإذنه فيه يمسكها انتهى‏.‏ ولو كان على ما قاله ابن عطية لكان التركيب بإذنه دون أداة الاستثناء أي يكون التقدير ويمسك السماء بإذنه‏.‏

‏{‏وهو الذي أحياكم‏}‏ أي بعد أن كنتم جماداً تراباً ونطفة وعلقة ومضغة وهي الموتة الأولى المذكورة في قوله تعالى ‏{‏كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً فأحياكم‏}‏ و‏{‏الإنسان‏}‏‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ هو الكافر‏.‏ وقال أيضاً‏:‏ هو الأسود بن عبد الأسد وأبو جهل وأُبيّ بن خلف‏.‏ وهذا على طريق التمثيل‏.‏ ‏{‏لكفور‏}‏ لجحود لنعم الله، يعبد غير من أنعم عليه بهذه النعم المذكورة وبغيرها‏.‏

و ‏{‏لكل أمة جعلنا منسكاً‏}‏ روي أنها نزلت بسبب جدال الكفار بديل بن ورقاء وبشر بن سفيان الخزاعيين وغيرهما في الذبائح وقولهم للمؤمنين‏:‏ تأكلون ما ذبحتم وهو من قتلكم، ولا تأكلون ما قتل الله فنزلت بسبب هذه المنازعة‏.‏ وقال ابن عطية ‏{‏هم ناسكوه‏}‏ يعطى أن المنسك المصدر ولو كان الموضع لقال هم ناسكون فيه انتهى‏.‏ ولا يتعين ما قال إذ قد يتسع في معمول اسم الفاعل كما يتسع في معمول الفعل فهو موضع اتسع فيه فأجرى مجرى المفعول به على السعة، ومن الاتساع في ظرف المكان قوله‏:‏

ومشرب أشربه رسيل *** لا آجن الماء ولا وبيل

مشرب مكان الشرب عاد عليه الضمير، وكان أصله أشرب فيه فاتسع فيه فتعدى الفعل إلى ضميره ومن الاتساع سير بزيد فرسخان‏.‏ وقرئ ‏{‏فلا ينازعنك‏}‏ بالنون الخفيفة أي أثبت على دينك ثباتاً لا يطمعون أن يجذبوك، ومثله ‏{‏ولا يصدنك عن آيات الله‏}‏ وهذا النهي لهم عن المنازعة من باب لا أرينك ههنا، والمعنى فلا بد لهم بمنازعتك فينازعوك‏.‏

وقرأ أبو مجلز ‏{‏فلا ينازعنك‏}‏ من النزع بمعنى فلا يقلعنك فيحملونك من دينك إلى أديانهم من نزعته من كذا و‏{‏الأمر‏}‏ هنا الدين، وما جئت به وعلى ما روي في سبب النزول يكون ‏{‏في الأمر‏}‏ بمعنى في الذبح ‏{‏لعلى هدى‏}‏ أي إرشاد‏.‏ وجاء و‏{‏لكل أمة‏}‏ بالواو وهنا ‏{‏لكل أمة‏}‏ لأن تلك وقعت مع ما يدانها ويناسبها من الآي الورادة في أمر النسائك فعطفت على أخواتها، وأما هذه فواقعة مع أباعد عن معناها فلم تجد معطفاً قاله الزمخشري‏.‏

‏{‏وإن جادلوك‏}‏ آية موادعة نسختها آية السيف أي وإن أبوا للجاجهم إلاّ المجادلة بعد اجتهادك أن لا يكون بينك وبينهم تنازع فادفعهم بأن الله أعلم بأعمالكم وبقبحها وبما تستحقون عليها من الجزاء، وهذا وعيد وإنذار ولكن برفق ولين ‏{‏الله يحكم بينكم‏}‏ خطاب من الله للمؤمنين والكافرين أي يفصل بينكم بالثواب والعقاب، ومسلاة لرسول الله صلى الله عليه وسلم بما كان يلقى منهم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏70- 72‏]‏

‏{‏أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ‏(‏70‏)‏ وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ ‏(‏71‏)‏ وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آَيَاتِنَا قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ‏(‏72‏)‏‏}‏

السطو‏:‏ القهر‏.‏ وقال ابن عيسى‏:‏ السطوة إظهار ما يهول للإخافة‏.‏

‏{‏ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض إن ذلك في كتاب إن ذلك على الله يسير ويعبدون من دون الله ما لم ينزل به سلطاناً وما ليس لهم به علم وما للظالمين من نصير وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات تعرف في وجوه الذين كفروا المنكر يكادون يسطون بالذين يتلون عليهم آياتنا قل أفأنبئكم بشر من ذلكم النار وعدها الله الذين كفروا وبئس المصير‏}‏‏.‏

لما تقدم ذكر الفصل بين الكفار والمؤمنين يوم القيامة أعقب تعالى أنه عالم بجميع ‏{‏ما في السماء والأرض‏}‏ فلا تخفى عليه أعمالكم و‏{‏إن ذلك في كتاب‏}‏ قيل‏:‏ هو أم الكتاب الذي كتبه الله قبل خلق السموات والأرض، كتب فيه ما هو كائن إلى يوم القيامة‏.‏ وقيل‏:‏ الكتاب اللوح المحفوظ‏.‏ والإشارة بقوله ‏{‏إن ذلك على الله يسير‏}‏ قيل‏:‏ إلى الحكم السابق، والظاهر أنه إشارة إلى حصر المخلوقات تحت علمه وإحاطته‏.‏ وقال الزمخشري‏:‏ ومعلوم عند العلماء بالله أنه يعلم كل ما يحدث في السموات والأرض وقد كتبه في اللوح قبل حدوثه، والإحاط بذلك وإثباته وحفظه عليه يسير لأن العالم الذات لا يتعذر عليه ولا يمتنع تعلق بمعلوم انتهى‏.‏ وفي قوله لأن العالم الذات فيه دسيسة الاعتزال لأن من مذهبهم نفي الصفات فهو عالم لذاته لا يعلم عندهم‏.‏

‏{‏ويعبدون من دون الله ما لم ينزل به سلطاناً‏}‏ أي حجة وبرهاناً سماوياً من جهة الوحي والسمع ‏{‏وما ليس لهم به علم‏}‏ أي دليل عقلي ضروري أو غيره‏.‏ ‏{‏وما للظالمين‏}‏ أي المجاوزين الحد في عبادة ما لا يمكن عبادته ‏{‏من نصير‏}‏ ينصرهم فيما ذهبوا إليه أو إذا حل بهم العذاب‏.‏

‏{‏وإذا تتلى عليهم آياتنا‏}‏ أي يتلوه الرسول أو غيره ‏{‏آياتنا‏}‏ الواضحة في رفض آلهتهم ودعائهم إلى توحيد الله وعبادته ‏{‏تعرف في وجوه الذين كفروا‏}‏ أي الذين ستروا الحق وغطوه وهو واضح بين والمنكر مصدر بمعنى الإنكار‏.‏ ونبه على موجب المنكر وهو الكفر وناب الظاهر مناب المضمر كأنه قيل‏:‏ تعرف في وجوههم لكنه نبه على العلة الموجبة لظهور المنكر في وجوههم، والمنكر المساءة والتجهم والبسور والبطش الدال ذلك كله على سوء المعتقد وخبث السريرة، لأن الوجه يظهر فيه الترح والفرح اللذان محلهما القلب‏.‏

‏{‏يكادون يسطون‏}‏ أي هم دهرهم بهذه الصفة فهم يقاربون ذلك طول زمانهم، وإن كان قد وقع منهم سطو ببعض الصحابة في شاذ من الأوقات‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ ‏{‏يسطون‏}‏ يبسطون إليهم‏.‏ وقال محمد بن كعب‏:‏ يقعون بهم‏.‏ وقال الضحاك‏:‏ يأخذونهم أخذاً باليد والمعنى واحد‏.‏ وقرأ عيسى بن عمر يعرف مبنياً للمفعول المنكر ووقع ‏{‏قل‏}‏ هل أنبئكم ‏{‏بشر من ذلكم‏}‏ وعيد وتقريع والإشارة إلى غيظهم على التالين وسطوهم عليهم، أو إلى ما أصابهم من الكراهة والبسور بسبب ما تلي عليهم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏73- 78‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ ‏(‏73‏)‏ مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ‏(‏74‏)‏ اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ‏(‏75‏)‏ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ ‏(‏76‏)‏ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ‏(‏77‏)‏ وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ ‏(‏78‏)‏‏}‏

الذباب‏:‏ الحيوان المعروف يجمع على ذباب بكسر الذال وضمها، وعلى ذبّ والمَذبَّة ما يطرد به الذباب، وذباب السيف طرفه والعين إنسانها، وأسنان الإبل‏.‏ سلبت الشيء‏:‏ اختطفته بسرعة‏.‏ استنقذ‏:‏ استفعل بمعنى أفعل أي أنقذ نحو أبل واستبل‏.‏

‏{‏يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذباباً ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئاً لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب ما قدروا الله حق قدره إن الله لقوي عزيز الله يصطفي من الملائكة رسلاً ومن الناس إن الله سميع بصير يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم وإلى الله ترجع الأمور يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيداً عليكم وتكونوا شهداء على الناس فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير‏}‏‏.‏

لما ذكر تعالى أن الكفار يعبدون ما لا دليل على عبادته لا من سمع ولا من عقل ويتركون عبادة من خلقهم، ذكر ما عليه معبوداتهم من انتفاء القدرة على خلق أقل الأشياء بل على ردّ ما أخذه ذلك الأقل منه، وفي ذلك تجهيل عظيم لهم حيث عبدوا من هذه صفته لقوله ‏{‏إن الذين تدعون‏}‏ بتاء الخطاب‏.‏ وقيل‏:‏ خطاب للمؤمنين أراد الله أن يبين لهم خطأ الكافرين فيكون ‏{‏تدعون‏}‏ خطاباً لغيرهم الكفار عابدي غير الله‏.‏ وقيل‏:‏ الخطاب عام يشمل من نظر في أمر عبادة غير الله، فإنه يظهر له قبح ذلك‏.‏ و‏{‏ضُرب‏}‏ مبني للمفعول، والظاهر أن ضارب المثل هو الله تعالى، ضرب مثلاً لما يعبد من دونه أي بين شبهاً لكم ولمعبودكم‏.‏ وقيل‏:‏ ضارب المثل هم الكفار، جعلوا مثلاً لله تعالى أصنامهم وأوثانهم أي فاسمعوا أنتم أيها الناس لحال هذا المثل ونحوه ما قال الأخفش قال‏:‏ ليس ههنا ‏{‏مثل‏}‏ وإنما المعنى جعل الكفار لله مثلاً‏.‏ وقيل‏:‏ هو ‏{‏مثل‏}‏ من حيث المعنى لأنه ‏{‏ضرب مثل‏}‏ من يعبد الأصنام بمن يعبد ما لا يخلق ذباباً‏.‏

وقال الزمخشري‏:‏ فإن قلت‏:‏ الذي جاء به ليس بمثل فكيف سماه مثلاً‏؟‏ قلت‏:‏ قد سميت الصفة أو القصة الرائقة المتلقاة بالاستحسان والاستغراب مثلاً تشبيهاً لها ببعض الأمثال المسيرة لكونها مستحسنة مستغربة عندهم انتهى‏.‏

وقرأ الجمهور ‏{‏تدعون‏}‏ بالتاء‏.‏ وقرأ الحسن ويعقوب وهارون والخفاف ومحبوب عن أبي عمرو بالياء وكلاهما مبني للفاعل‏.‏ وقرأ اليماني وموسى الأسواري بالياء من أسفل مبنياً للمفعول‏.‏ وقال الزمخشري ‏{‏لن‏}‏ أخت لا في نفي المستقبل إلاّ أن تنفيه نفياً مؤكداً، وتأكيده هنا الدلالة على أن خلق الذباب منهم مستحيل مناف لأحوالهم كأنه قال‏:‏ محال أن يخلقوا انتهى‏.‏

وهذا القول الذي قاله في ‏{‏لن‏}‏ هو المنقول عنه أن ‏{‏لن‏}‏ للنفي على التأييد، ألا تراه فسر ذلك بالاستحالة وغيره من النحاة يجعل ‏{‏لن‏}‏ مثل لا في النفي ألا ترى إلى قوله ‏{‏أفمن يخلق كمن لا يخلق‏}‏ كيف جاء النفي بلا وهو الصحيح، والاستدلال عليه مذكور في النحو‏.‏ وبدأ تعالى بنفي اختراعهم وخلقهم أقل المخلوقات من حيث إنّ الاختراع صفة له تعالى ثابتة مختصة لا يشركه فيها أحد، وثنى بالأمر الذي بلغ بهم غاية التعجيز وهو أمر سلب ‏{‏الذباب‏}‏ وعدم استنقاذ شيء مما ‏{‏يسلبهم‏}‏ وكان الذباب كثيراً عند العرب، وكانوا يضمخون أوثانهم بأنواع الطيب فكان الذباب يذهب بذلك‏.‏ وعن ابن عباس‏:‏ كانوا يطلونها بالزعفران ورؤوسها بالعسل ويغلقون عليها فيدخل الذباب من الكوى فيأكله‏.‏ وموضع ‏{‏ولو اجتمعوا له‏}‏ قال الزمخشري‏:‏ نصب على الحال كأنه قال مستحيل‏:‏ أن يخلقوا الذباب مشروطاً عليهم اجتماعهم جميعاً لخلقه، وتعاونهم عليه انتهى‏.‏

وتقدم لنا الكلام على نظير ‏{‏ولو‏}‏ هذه، وتقرر أن الواو فيه للعطف على حال محذوفة، كأنه قيل ‏{‏لن يخلقوا ذباباً‏}‏ على كل حال ولو في هذه الحال التي كانت تقتضي أن يخلقوا لأجل اجتماعهم، ولكنه ليس في مقدورهم ذلك‏.‏

‏{‏ضعف الطالب والمطلوب‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ الصنم والذباب، أي ينبغي أن يكون الصنم طالباً لما سلب من طيبهم على معهود الأنفة في الحيوان‏.‏ وقيل ‏{‏المطلوب‏}‏ الآلهة و‏{‏الطالب‏}‏ الذباب فضعف الآلهة أن لا منعة لهم، وضعف الذباب في استلابه ما على الآلهة‏.‏ وقال الضحاك‏:‏ العابد والمعبود فضعف العابد في طلبهم الخير من غير جهته، وضعف المعبود في إيصال ذلك لعابده‏.‏ وقال الزمخشري‏:‏ وقوله ‏{‏ضعف الطالب والمطلوب‏}‏ كالتسوية بينهم وبين الذباب في الضعف، ولو حققت وجدت الطالب أضعف وأضعف لأن الذباب حيوان وهو جماد وهو غالب، وذاك مغلوب والظاهر أنه إخبار بضعف الطالب والمطلوب‏.‏ وقيل‏:‏ معناه التعجب أي ما أضعف الطالب والمطلوب

‏.‏ ‏{‏ما قدروا الله حق قدره‏}‏ أي ما عرفوه حق معرفته حيث عبدوا من هو منسلخ عن صفاته وسموه باسمه، ولم يؤهلوا خالقهم للعبادة ثم ختم بصفتين منافيتين لصفات آلهتهم من القوة والغلبة ‏{‏الله يصطفي‏}‏ الآية نزلت بسبب قول الوليد بن المغيرة ‏{‏أأنزل عليه الذكر من بيننا‏}‏ الآية، وأنكروا أن يكون الرسول من البشر فرد الله عليهم بأن رسله ملائكة وبشر، ثم ذكر أنه عالم بأحوال المكلفين لا يخفى عليه منهم شيء وإليه مرجع الأمور كلها‏.‏

ولما ذكر تعالى أنه اصطفى رسلاً من البشر إلى الخلق أمرهم بإقامة ما جاءت به الرسل من التكاليف وهو الصلاة قيل‏:‏ كان الناس أول ما أسلموا يسجدون بلا ركوع ويركعون بلا سجود، فأمروا أن تكون صلاتهم بكوع وسجود واتفقوا على مشروعية السجود في آخر آية

‏{‏ألم تر أن الله يسجد له‏}‏ وأما في هذه الآية فمذهب مالك وأبي حنيفة أنه لا يسجد فيها، ومذهب الشافعي وأحمد أنه يسجد فيها وبه قال عمر وابنه عبد الله وعثمان وأبو الدرداء وأبو موسى وابن عباس ‏{‏واعبدوا ربكم‏}‏ أي افردوه بالعبادة ‏{‏وافعلوا الخير‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ صلة الأرحام ومكارم الأخلاق، ويظهر في هذا الترتيب أنهم أمروا أولاً بالصلاة وهي نوع من العبادة، وثانياً بالعبادة وهي نوع من فعل الخير، وثالثاً بفعل الخير وهو أعم من العبادة فبدأ بخاص ثم بعام ثم بأعم‏.‏

‏{‏وجاهدوا في الله‏}‏ أمر بالجهاد في دين الله وإعزاز كلمته يشمل جهاد الكفار والمبتدعة وجهاد النفس‏.‏ وقيل‏:‏ أمر بجهاد الكفار خاصة ‏{‏حق جهاده‏}‏ أي استفرغوا جهدكم وطاقتكم في ذلك، وأضاف الجهاد إليه تعالى لما كان مختصاً بالله من حيث هو مفعول لوجهه ومن أجله، فالإضافة تكون بأدنى ملابسة‏.‏ قال الزمخشري‏:‏ ويجوز أن يتسع في الظرف كقوله‏:‏

ويوم شهدناه سليماً وعامراً *** انتهى‏.‏ يعني بالظرف الجار والمجرور، كأنه كان الأصل حق جهاد فيه فاتسع بأن حذف حرف الجر وأضيف جهاد إلى الضمير‏.‏ و‏{‏حق جهاده‏}‏ من باب هو حق عالم وجد عالم أي عالم حقاً وعالم جداً‏.‏ وعن مجاهد والكلبي أنه منسوخ بقوله ‏{‏فاتقوا الله ما استطعتم‏}‏ ‏{‏هو اجتباكم‏}‏ أي اختاركم لتحمل تكليفاته وفي قوله ‏{‏هو‏}‏ تفخيم واختصاص، أي هو لا غيره‏.‏ ‏{‏من حرج‏}‏ من تضييق بل هي حنيفية سمحة ليس فيها تشديد بني إسرائيل بل شرع فيها التوبة والكفارات والرخص‏.‏ وانتصب ‏{‏ملة أبيكم‏}‏ بفعل محذوف، وقدره ابن عطية جعلها ‏{‏ملة‏}‏ وقال الزمخشري‏:‏ نصب الملة بمضمون ما تقدّمها كأنه قيل وسع دينكم توسعة ملة أبيكم، ثم حذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه أو على الاختصاص أي أعني بالدين ‏{‏ملة أبيكم‏}‏ كقوله‏:‏ الحمد لله الحميد، وقال الحوفي وأبو البقاء‏:‏ اتبعوا ملة إبراهيم‏.‏ وقال الفراء‏:‏ هو نصب على تقدير حذف الكاف، كأنه قيل كلمة ‏{‏أبيكم‏}‏ بالإضافة إلى أبيه الرسول، وأمة الرسول في حكم أولاده فصار أباً لأمته بهذه الوساطة‏.‏ وقيل‏:‏ لما كان أكثرهم من ولده كالرسول ورهطه وجميع العرب طلب الأكثر فأضيف إليهم‏.‏ وجاء قوله ‏{‏ملة‏}‏ ‏{‏إبراهيم‏}‏ باعتبار عبادة الله وترك الأوثان وهو المسوق له الآيات المتقدمة، فلا يدل ذلك على الاتباع في تفاصيل الشرائع‏.‏

والظاهر أن الضمير في ‏{‏هو سماكم‏}‏ عائد على ‏{‏إبراهيم‏}‏ وهو أقرب مذكور ولكل نبيّ دعوة مستجابة ودعا إبراهيم فقال ‏{‏ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك‏}‏ فاستجاب الله له فجعلها أمة محمد عليه الصلاة والسلام، وقاله ابن زيد والحسن‏.‏ وقيل‏:‏ يعود ‏{‏هو‏}‏ إلى الله وهو قول ابن عباس وقتادة ومجاهد والضحاك‏.‏ وعن ابن عباس‏:‏ إن الله ‏{‏سماكم المسلمين من قبل‏}‏ أي في كل الكتب ‏{‏وفي هذا‏}‏ أي القرآن، ويدل على أن الضمير لله قراءة أبيّ الله سماكم‏.‏

قال ابن عطية‏:‏ وهذه اللفظة يعني قوله ‏{‏وفي هذا‏}‏ تضعيف قول من قال الضمير لإبراهيم، ولا يتوجه إلاّ على تقدير محذوف من الكلام مستأنف انتهى‏.‏ وتقدير المحذوف وسميتم في هذا القرآن المسلمين، والمعنى أنه فضلكم على الأمم وسماكم بهذا الاسم‏.‏

‏{‏ليكون الرسول شهيداً عليكم‏}‏ أنه قد بلغكم ‏{‏وتكونوا شهداء على الناس‏}‏ بأن الرسل قد بلغتهم، وإذ قد خصكم بهذه الكرامة والأثرة فاعبدوه وثقوا به ولا تطلبوا النصرة والولاية إلاّ منه فهو خير مولى وناصر‏.‏ وعن قتادة أعطيت هذه الأمة ما لم يعطه إلاّ نبي‏.‏ قيل للنبي‏:‏ أنت شهيد على أمتك‏.‏ وقيل له‏:‏ ليس عليك حرج‏.‏ وقيل له‏:‏ سل تعط‏.‏ وقيل‏:‏ لهذه الأمة‏:‏ ‏{‏وتكونوا شهداء على الناس‏}‏ وقيل لهم ‏{‏ما جعل عليكم في الدين من حرج‏}‏ وقيل لهم ‏{‏ادعوني أستجب لكم‏}‏ ‏{‏واعتصموا‏}‏ قال ابن عباس سلوا ربكم أن يعصمكم من كل ما يكره‏.‏ وقال الحسن تمسكوا بدين الله‏.‏

سورة المؤمنون

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 16‏]‏

‏{‏قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ‏(‏1‏)‏ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ ‏(‏2‏)‏ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ ‏(‏3‏)‏ وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ ‏(‏4‏)‏ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ ‏(‏5‏)‏ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ‏(‏6‏)‏ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ ‏(‏7‏)‏ وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ ‏(‏8‏)‏ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ ‏(‏9‏)‏ أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ ‏(‏10‏)‏ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ‏(‏11‏)‏ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ ‏(‏12‏)‏ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ ‏(‏13‏)‏ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آَخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ‏(‏14‏)‏ ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ ‏(‏15‏)‏ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ ‏(‏16‏)‏‏}‏

السلالة‏:‏فعالة من سللت الشيء من الشيء إذا استخرجته منه وقال أمية خلق البرية من سلالة منتن *** وإلى السلالة كلها ستعود

والولد سلالة أبيه كأنه انسل من ظهر أبيه قال الشاعر

فجاءت به عصب الأديم غضنفرا *** سلالة فرج كان غير حصين

وهو بناء يدل على القلة كالقلامة والنحاتة

سيناء وسينون‏:‏ اسمان لبقعة وجمهور العرب على فتح سين سيناء فالألف فيه للتأنيث كصحراء فيمتنع الصرف للتأنيث اللازم وكنانة تكسر السين فيمتنع الصرف للتأنيث اللازم أيضاً عند الكوفيين لأنهم يثبتون أن همزة فعلاء تكون للتأنيث وعند البصريين يمتنع من الصرف للعلمية والعجمة أو العلمية والتأنيث لأن ألف فعلاء عندهم لا تكون للتأنيث بل للإلحاق كعلباء ودرحاء قيل وهو جبل فلسطين وقيل بين مصر وأيلة

الدهن‏:‏ عصارة الزيتون واللوز وما أشبههما مما فيه دسم والدهن بفتح الدال مسح الشيء بالدهن هيهات اسم فعل يفيد الاستبعاد فمعناها بعد وفيها لغات كثيرة ذكرناها في كتاب التكميل لشرح التسهيل ويأتي منها ما قرئ به إن شاء الله

الغثاء‏:‏ الزبد وما ارتفع على السيل ونحو ذلك مما لا ينتفع به قاله أبو عبيد وقال الأخفش الغثاء والجفاء واحد وهو ما احتمله السيل من القذر والزبد وقال الزجاج البالي من ورق الشجر إذا جرى السيل خالط زبده انتهى وتشدد ثاؤه وتخفف ويجمع على أغثاء شذوذاً وروى بيت امرئ القيس من السيل والغثاء بالتخفيف والتشديد بالجمع

تترى‏:‏ واحداً بعد واحد قال الأصمعي وبينهما مهلة وقال غيره المواترة التتابع بغير مهلة وتاؤه مبدلة من واو على غير قياس إذ أصله الوتر كتاء تولج وتيقور الأصل وولج وويقور لأنه من الولوج والوقار وجمهور العرب على عدم تنوينه فيمتنع الصرف للتأنيث اللازم وكنانة تنونه وينبغي أن تكون الألف فيه للإلحاق كهي في علقي المنون وكتبه بالياء يدل على ذلك ومن زعم أن التنوين فيه كصبراً ونصراً فهو مخطئ لأنه يكون وزنه فعلاً ولا يحفظ فيه الإعراب في الراء فتقول تتر في الرفع وتتر في الجر لكن ألف الإلحاق في المصدر نادر ولا يلزم وجود النظير وقيل تترى اسم جمع كأسرى وشتى المعين الميم فيه زائدة ووزنه مفعول كمخيط وهو المشاهد جريه بالعين تقول عانه أدركه بعينه كقولك كبده ضرب كبده وأدخله الخليل في باب ع ي ن وقيل الميم أصلية من باب معن الشيء معانة كثر فوزنه فعيل وأجاز الفراء الوجهين وقال جرير‏:‏

إن الذين غدوا بلبك غادروا *** وشلاً بعينك ما يزال معينا

الغمرة‏:‏ الجهالة، ورجل غمرغافل لم يجرب الأمور وأصله الستر ومنه الغمر للحقد لأنه يغطي القلب والغمر للماء الكثير لأنه يغطي الأرض والغمرة الماء الذي يغمر القامة والغمرات الشدائد ورجل غامر إذا كان يلقي نفسه في المهالك ودخل في غمار الناس أي في زحمتهم

الجؤار‏:‏ مثل الخوار جأر الثور يجأر صاح وجأر الرجل إلى الله تضرع بالدعاء قاله الجوهري وقال الشاعر يراوح من صلوات المليك فطوراً سجوداً وطوراً جؤاراً وقيل الجؤار الصراخ باستغاثة قال جأر ساعات النيام لربه

السامر‏:‏ مفرد بمعنى الجمع يقال قوم سامر وسمر ومعناه سهر الليل مأخوذ من السمر وهو ما يقع على الشجر من ضوء القمر وكانوا يجلسون للحديث في ضوء القمر والسمير الرفيق بالليل في السهر ويقال له السمار أيضاً ويقال لا أفعله ما أسمر ابنا سمير والسمير الدهر وابناه الليل والنهار

نكب‏:‏ عن الطريق ونكب بالتشديد إذا عدل عنه اللجاج في الشيء التمادي عليه

هذه السورة مكية بلا خلاف، وفي الصحيح للحاكم عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ «لقد أنزلت عليّ عشر آيات من أقامهن دخل الجنة» ثم قرأ قد ‏{‏أفلح المؤمنون‏}‏ إلى عشر آيات‏.‏ ومناسبتها لآخر السورة قبلها ظاهرة لأنه تعالى خاطب المؤمنين بقوله ‏{‏يا أيها الذين آمنوا اركعوا‏}‏ الآية وفيها ‏{‏لعلكم تفلحون‏}‏ وذلك على سبيل الترجية فناسب ذلك قوله ‏{‏قد أفلح المؤمنون‏}‏ إخباراً بحصول ما كانوا رجوه من الفَلاح‏.‏

وقرأ طلحة بن مصرف وعمرو بن عبيد ‏{‏قد أفلح المؤمنون‏}‏ بضم الهمزة وكسر اللام مبنياً للمفعول، ومعناه ادخلوا في الفلاح فاحتمل أن يكون من فلح لازماً أو يكون أفلح يأتي متعدياً ولازماً‏.‏ وقرأ طلحة أيضاً بفتح الهمزة واللام وضم الحاء‏.‏ قال عيسى بن عمر‏:‏ سمعت طلحة بن مصرف يقرأ قد أفلحوا المؤمنون، فقلت له‏:‏ أتلحن‏؟‏ قال‏:‏ نعم، كما لحن أصحابي انتهى‏.‏ يعني أن مرجوعه في القراءة إلى ما روي وليس بلحن لأنه على لغة أكلوني البراغيث‏.‏ وقال الزمخشري‏:‏ أو على الإبهام والتفسير‏.‏ وقال ابن عطية‏:‏ وهي قراءة مردودة، وفي كتاب ابن خالويه مكتوباً بواو بعد الحاء، وفي اللوامح وحذفت واو الجمع بعد الحاء لالتقائهما في الدرج، وكانت الكتابة عليها محمولة على الوصل نحو ‏{‏ويمح الله الباطل‏}‏ وقال الزمخشري‏:‏ وعنه أي عن طلحة ‏{‏أُفلحُ‏}‏ بضمة بغير واو اجتزاء بها عنها كقوله‏:‏

فلو أن الأطباء كان حولي *** انتهى‏.‏ وليس بجيد لأن الواو في ‏{‏أفلح‏}‏ حذفت لالتقاء الساكنين وهنا حذفت للضرورة فليست مثلها‏.‏ قال الزمخشري‏:‏ قد تقتضيه لما هي تثبت المتوقع ولما تنفيه، ولا شك أن المؤمنين كانوا متوقعين لمثل هذه البشارة وهي الإخبار بثبات الفلاح لهم، فخوطبوا بما دل على ثبات ما توقعوه انتهى‏.‏

والخشوع لغة الخضوع والتذلل، وللمفسرين فيه هنا أقوال‏:‏ قال عمرو بن دينار‏:‏ هو السكون وحسن الهيئة‏.‏ وقال مجاهد‏:‏ غض البصر وخفض الجناح‏.‏ وقال مسلم بن يسار وقتادة‏:‏ تنكيس الرأس‏.‏ وقال الحسن‏:‏ الخوف‏.‏ وقال الضحاك‏:‏ وضع اليمين على الشمال‏.‏ وعن عليّ‏:‏ ترك الالتفات في الصلاة‏.‏ وعن أبي الدرداء‏:‏ إعظام المقام وإخلاص المقال واليقين التام وجمع الاهتمام‏.‏ وفي الحديث أنه عليه الصلاة والسلام كان يصلي رافعاً بصره إلى السماء، فلما نزلت هذه الآية رمى ببصره نحو مسجده، ومن الخشوع أن تستعمل الآداب فيتوقى كف الثوب والعبث بجسده وثيابه والالتفات والتمطي والتثاؤب والتغميض وتغطية الفم والسدل والفرقعة والتشبيك والاختصار وتقليب الحصى‏.‏ وفي التحرير‏:‏ اختلف في الخشوع، هل هو من فرائض الصلاة أو من فضائلها ومكملاتها على قولين، والصحيح الأول ومحله القلب، وهو أول علم يرفع من الناس قاله عبادة بن الصامت‏.‏

وقال الزمخشري‏:‏ فإن قلت‏:‏ لم أضيفت الصلاة إليهم‏؟‏ قلت‏:‏ لأن الصلاة دائرة بين المصلي والمصلى له، فالمصلي هو المنتفع بها وحده وهي عدته وذخيرته فهي صلاته، وأما المصلى له فغني متعال عن الحاجة إليها والانتفاع بها‏.‏

‏{‏اللغو‏}‏ ما لا يعنيك من قول أو فعل كاللعب والهزل، وما توجب المروءة اطراحه يعني أن بهم من الجد ما يشغلهم عن الهزل لما وصفهم بالخشوع في الصلاة أتبعهم الوصف بالإعراض عن اللغو ليجمع لهم الفعل والترك الشاقين على الأنفس اللذين هما قاعدتا بناء التكليف انتهى‏.‏ وإذا تقدم معمول اسم الفاعل جاز أن يقوي تعديته باللام كالفعل، وكذلك إذا تأخر لكنه مع التقديم أكثر فلذلك جاء ‏{‏للزكاة‏}‏ باللام ولو جاء منصوباً لكان عربياً والزكاة إن أريد بها التزكية صح نسبة الفعل إليها إذ كل ما يصدر يصح أن يقال فيه فعل، وإن أريد بالزكاة قدر ما يخرج من المال للفقير فيكون على حذف أي لأداء الزكاة ‏{‏فاعلون‏}‏ إذ لا يصح فعل الأعيان من المزكى أو يضمن فاعلون معنى مؤدون، وبه شرحه التبريزي‏.‏ وقيل ‏{‏للزكاة‏}‏ للعمل الصالح كقوله ‏{‏خيراً منه زكاة‏}‏ أي عملاً صالحاً قاله أبو مسلم‏.‏ وقيل‏:‏ الزكاة هنا النماء والزيادة، واللام لام العلة ومعمول ‏{‏فاعلون‏}‏ محذوف التقدير ‏{‏والذين هم‏}‏ لأجل تحصيل النماء والزيادة ‏{‏فاعلون‏}‏ الخير‏.‏ وقيل‏:‏ المصروف لا يسمى زكاة حتى يحصل بيد الفقير‏.‏ وقيل‏:‏ لا تسمى العين المخرجة زكاة، فكان التغيير بالفعل عن إخراجه أولى منه بالأداء، وفيه رد على بعض زنادقة الأعاجم الأجانب عن ذوق العربية في قوله‏:‏ ألا قال مؤدُّون، قال في التحرير والتحبير‏:‏ وهذا كما قيل لا عقل ولا نقل، والكتاب العزيز نزل بأفصح اللغات وأصحها بلا خلاف‏.‏ وقد قال أمية بن أبي الصلت‏:‏

المطعمون الطعام في السنة الأز *** مة والفاعلون للزكوات

ولم يرد عليه أحد من فصحاء العرب ولا طعن فيه علماء العربية، بل جميعهم يحتجون به ويستشهدون انتهى‏.‏ وقال الزمخشري‏:‏ وحمل البيت على هذا أصح لأنها فيه مجموعة يعني على أن الزكاة يراد بها العين وهو على حذف مضاف، أي لأداء الزكوات، وعلل ذلك بجمعها يعني أنها إذا أريد بها العين صح جمعها، وإذا أريد بها التزكية لم تجمع لأن التزكية مصدر، والمصادر لا تجمع وهذا غير مسلم بل قد جاء منها مجموعاً ألفاظ كالعلوم والحلوم والأشغال، وأما إذا اختلفت فالأكثرون على جواز جمعها وهنا اختلفت بحسب متعلقاتها فإخراج النقد غير إخراج الحيوان وغير إخراج النبات والزكاة في قول أمية مما جاء جمعاً من المصادر، فلا يتعدى حمله على المخرج لجمعه‏.‏

وحفظ لا يتعدى بعلى‏.‏ فقيل‏:‏ على بمعنى من أي إلا من أزواجهم كما استعملت من بمعنى على في قوله ‏{‏ونصرناه من القوم‏}‏ أي على القوم قاله الفراء، وتبعه ابن مالك وغيره والأولى أن يكون من باب التضمين ضمن ‏{‏حافظون‏}‏ معنى ممسكون أو قاصرون، وكلاهما يتعدى بعلى كقوله

‏{‏أمسك عليك زوجك‏}‏ وتكلف الزمخشري هنا وجوهاً‏.‏ فقال ‏{‏على أزواجهم‏}‏ في موضع الحال أي الأوّالين على أزواجهم أو قوّامين عليهن من قولك‏:‏ كان فلان على فلانة فمات عنها فخلف عليها فلاناً، ونظيره كان زياد على البصرة أي والياً عليها‏.‏ ومنه قولهم‏:‏ فلان تحت فلان ومن ثم سميت المرأة فراشاً أو تعلق على بمحذوف يدل عليه غير ملومين، كأنه قيل‏:‏ يلامون ‏{‏إلا على أزواجهم‏}‏ أي يلامون على كل مباشر إلاّ على ما أطلق لهم ‏{‏فإنهم غير ملومين‏}‏ عليه أو يجعله صلة لحافظين من قولك احفظ عليّ عنان فرسي على تضمينه معنى النفي، كما ضمن قولهم‏:‏ نشدتك الله إلاّ فعلت بمعنى ما طلبت منك إلاّ فعلك انتهى‏.‏ يعني أن يكون حافظون صورته صورة المثبت وهو منفي من حيث المعنى، أي والذين هم لم يحفظوا فروجهم إلا على أزواجهم، فيكون استثناء مفرغاً متعلقاً فيه على بما قبله كما مثل بنشدتك الذي صورته صورة مثبت، ومعناه النفي أي ما طلبت منك‏.‏ وهذه التي ذكرها وجوه متكلفة ظاهر فيها العجمة‏.‏

وقوله ‏{‏أو ما ملكت‏}‏ أريد بما النوع كقوله ‏{‏فانكحوا ما طاب لكم‏}‏ وقال الزمخشري‏:‏ أريد من جنس العقلاء ما يجري مجرى غير العقلاء وهم الإناث انتهى‏.‏ وقوله وهم الإناث ليس بجيد لأن لفظ هم مختص بالذكور، فكان ينبغي أن يقول وهو الإناث على لفظ ما أوهن الإناث على معنى ما، وهذا الاستثناء حد يجب الوقوف عنده، والتسرّي خاص بالرجال ولا يجوز للنساء بإجماع، فلو كانت المرأة متزوجة بعبد فملكته فاعتقته حالة الملك انفسخ النكاح عند فقهاء الأمصار‏.‏ وقال النخعي والشعبي وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة‏:‏ يبقيان على نكاحهما وفي قوله ‏{‏أو ما ملكت أيمانهم‏}‏ دلالة على تعميم وطء ما ملك باليمين وهو مختص بالإناث بإجماع، فكأنه قيل ‏{‏أو ما ملكت أيمانهم‏}‏ من النساء‏.‏ وفي الجمع بين الأختين من ملك اليمين وبين المملوكة وعمتها أو خالتها خلاف، ويخص أيضاً في الآية بتحريم وطء الحائض والأَمة إذا زوجت والمظاهر منها حتى يكفر، ويشمل قوله وراء ذلك الزنا واللواط ومواقعة البهائم والاستمناء ومعنى وراء ذلك وراء هذا الحد الذي حد من الأزواج ومملوكات النساء، وانتصابه على أنه مفعول بابتغى أي خلاف ذلك‏.‏ وقيل‏:‏ لا يكون وراء هنا إلاّ على حذف تقديره ما وراء ذلك‏.‏

والجمهور على تحريم الاستمناء ويسمى الخضخضة وجلد عميرة يكنون عن الذكر بعميرة، وكان أحمد بن حنبل يجيز ذلك لأنه فضلة في البدن فجاز إخراجها عند الحاجة كالفصد والحجامة، وسأل حرملة بن عبد العزيز مالكاً عن ذلك فتلا هذه الآية وكان جرى في ذلك كلام مع قاضي القضاة أبي الفتح محمد بن عليّ بن مطيع القشيري ابن دقيق العيد فاستدل على منع ذلك بما استدل مالك من قوله

‏{‏فمن ابتغى وراء ذلك‏}‏ فقلت له‏:‏ إن ذلك خرج مخرج ما كانت العرب تفعله من الزنا والتفاخر بذلك في أشعارها، وكان ذلك كثيراً فيها بحيث كان في بغاياهم صاحبات رايات، ولم يكونوا ينكرون ذلك‏.‏ وأما جلد عميرة فلم يكن معهوداً فيها ولا ذكره أحد منهم في أشعارهم فيما علمناه فليس بمندرج في قوله ‏{‏وراء ذلك‏}‏ ألا ترى أن محل ما أبيح وهو نساؤهم بنكاح أو تسرٍّ فالذي وراء ذلك هو من جنس ما أحل لهم وهو النساء، فلا يحل لهم شيء منهن إلاّ بنكاح أو تسر، والظاهر أن نكاح المتعة لا يندرج تحت قوله ‏{‏فمن ابتغى وراء ذلك‏}‏ لأنها ينطلق عليها اسم زوج‏.‏ وسأل الزهري القاسم بن محمد عن المتعة فقال‏:‏ هي محرمة في كتاب الله وتلا ‏{‏والذين هم لفروجهم حافظون‏}‏ الآية ولا يظهر التحريم في هذه الآية‏.‏

وقرأ ابن كثير وأبو عمرو في رواية لأمانتهم بالإفراد وباقي السبعة بالجمع، والظاهر عموم الأمانات فيدخل فيها ما ائتمن تعالى عليه العبد من قول وفعل واعتقاد، فيدخل في ذلك جميع الواجبات من الأفعال والتروك وما ائتمنه الإنسان قبل، ويحتمل الخصوص في أمانات الناس‏.‏ والأمانة‏:‏ هي الشيء المؤتمن عليه ومراعاتها القيام عليها لحفظها إلى أن تؤدى، والأمانة أيضاً المصدر وقال تعالى ‏{‏إن الله يأمركم أن تؤدّوا الأمانات إلى أهلها‏}‏ والمؤدى هو العين المؤتمن عليه أو القول إن كان المؤتمن عليه لا المصدر‏.‏ وقرأ الإخوان على صلاتهم بالتوحيد، وباقي السبعة بالجمع‏.‏ والخشوع والمحافظة متغايران بدأ أولاً بالخشوع وهو الجامع للمراقبة القلبية والتذلل بالأفعال البدنية، وثنى بالمحافظة وهي تأديتها في وقتها بشروطها من طهارة المصلي وملبوسه ومكانه وأداء أركانها على أحسن هيئاتها ويكون ذلك دأبه في كل وقت‏.‏ قال الزمخشري‏:‏ ووحدت أولاً ليفاد الخشوع في جنس الصلاة أي صلاة كانت، وجمعت آخراً لتفاد المحافظة على إعدادها وهي الصلوات الخمس والوتر والسنن المرتبة مع كل صلاة وصلاة الجمعة والعيدين والجنازة والاستسقاء والكسوف والخسوف وصلاة الضحى والتهجد وصلاة التسبيح وصلاة الحاجة وغيرها من النوافل‏.‏

‏{‏أولئك‏}‏ أي الجامعون لهذه الأوصاف ‏{‏هم الوارثون‏}‏ الأحقاء أن يسموا ورّاثاً دون من عداهم، ثم ترجم الوارثين بقوله ‏{‏الذين يرثون الفردوس‏}‏ فجاء بفخامة وجزالة لإرثهم لا تخفى على الناظر، ومعنى الإرث ما مر في سورة مريم انتهى‏.‏ وتقدم الكلام في ‏{‏الفردوس‏}‏ في آخر الكهف‏.‏

‏{‏ولقد خلقنا الإنسان‏}‏ الآية لما ذكر تعالى أن المتصفين بتلك الأوصاف الجليلة هم يرثون الفردوس فتضمن ذلك المعاد الأخروي، ذكر النشأة الأولى ليستدل بها على صحة النشأة الآخرة‏.‏ وقال ابن عطية‏:‏ هذا ابتداء كلام والواو في أوله عاطفة جملة كلام على جملة، وإن تباينت في المعاني انتهى‏.‏

وقد بيّنا المناسبة بينهما ولم تتباين في المعاني من جميع الجهات‏.‏ و‏{‏الإنسان‏}‏ هنا‏.‏ قال قتادة وغيره ورواه عن سلمان وابن عباس آدم لأنه انسل من الطين ‏{‏ثم جعلنا‏}‏ عائد على ابن آدم وإن كان لم يذكر لشهرة الأمر وأن المعنى لا يصلح إلاّ له ونظيره ‏{‏حتى توارت بالحجاب‏}‏ أو على حذف مضاف أي ثم جعلنا نسله‏.‏ وعن ابن عباس أيضاً أن ‏{‏الإنسان‏}‏ ابن آدم و‏{‏سلالة من طين‏}‏ صفوة الماء يعني المني وهو اسم جنس، والطين يراد به آدم إذ كانت نشأة من الطين كما سمى عرق الثرى أو جعل من الطين لكونه سلالة من أبويه وهما متغذيان بما يكون من الطين‏.‏ وقال الزمخشري‏:‏ خلق جوهر الإنسان أولاً طيناً ثم جعل جوهره بعد ذلك نطفة انتهى‏.‏ فجعل الإنسان جنساً باعتبار حالتيه لا باعتبار كل مردود منه و‏{‏من‏}‏ الأولى لابتداء الغاية و‏{‏من‏}‏ الثانية قال الزمخشري للبيان كقوله ‏{‏من الأوثان‏}‏ انتهى‏.‏ ولا تكون للبيان إلاّ على تقدير أن تكون السلالة هي الطين، أما إذا قلنا أنه ما انسل من الطين فتكون لابتداء الغاية‏.‏ والقرار مكان الاستقرار والمراد هنا الرحم‏.‏ والمكين المتمكن وصف القرار به لتمكنه في نفسه بحيث لا يعرض له اختلال، أو لتمكن من يحل فيه فوصف بذلك على سبيل المجاز كقوله طريق سائر لكونه يسار فيه، وتقدم تفسير النطفة والعلقة والمضغة‏.‏

وقرأ الجمهور عظاماً و‏{‏العظام‏}‏ الجمع فيهما‏.‏ وقرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم وأبان والمفضل والحسن وقتادة وهارون والجعفي ويونس عن أبي عمرو وزيد بن عليّ بالإفراد فيهما‏.‏ وقرأ السلمي وقتادة أيضاً والأعرج والأعمش ومجاهد وابن محيصن بإفراد الأول وجمع الثاني‏.‏ وقرأ أبو رجاء وإبراهيم بن أبي بكر ومجاهد أيضاً بجمع الأول وإفراد الثاني فالإفراد يراد به الجنس‏.‏ وقال الزمخشري‏:‏ وضع الواحد موضع الجمع لزوال اللبس لأن الإنسان ذو عظام كثيرة انتهى‏.‏ وهذا لا يجوز عند سيبويه وأصحابنا إلاّ في الضرورة وأنشدوا‏:‏

كلوا في بعض بطنكم تعفوا *** ومعلوم أن هذا لا يلبس لأنهم كلهم ليس لهم بطن واحد ومع هذا خصوا مجيئه بالضرورة ‏{‏ثم أنشأناه خلقاً آخر‏}‏ قال ابن عباس والشعبي وأبو العالية والضحاك وابن زيد، هو نفخ الروح فيه‏.‏ وقال ابن عباس أيضاً‏:‏ خروجه إلى الدنيا‏.‏ وقالت فرقة‏:‏ نبات شعره‏.‏ وقال مجاهد‏:‏ كمال شبابه‏.‏ وقال ابن عباس أيضاً تصرفه في أمور الدنيا‏.‏ قال ابن عطية‏:‏ وهذا التخصيص لا وجه له وإنما هو عام في هذا وغيره من وجود النطق والإدراك، وأول رتبة من كونه آخر نفخ الروح وآخره تحصيله المعقولات إلى أن يموت انتهى‏.‏ ملخصاً وهو قريب مما رواه العوفي عن ابن عباس، ويدل عليه قوله بعد ذلك ‏{‏ثم إنكم بعد ذلك لميتون‏}‏‏.‏

وقال الزمخشري ما ملخصه‏:‏ ‏{‏خلقاً آخر‏}‏ مبايناً للخلق الأول مباينة ما أبعدها حيث جعله حيواناً ناطقاً سميعاً بصيراً، وأودع كل عضو وكل جزء منه عجائب وغرائب لا تدرك بوصف ولا تبلغ بشرح، وقد احتج أبو حنيفة بقوله ‏{‏خلقاً آخر‏}‏ على أن غاصب بيضة أفرخت عنده يضمن البيضة ولا يرد الفرخ‏.‏

وقال ‏{‏أنشأنا‏}‏ جعل إنشاء الروح فيه وإتمام خلقه إنشاءً له‏.‏ قيل‏:‏ وفي هذا رد على النظام في زعمه أن الإنسان هو الروح فقط، وقد بيّن تعالى أنه مركب من هذه الأشياء ورد على الفلاسفة في زعمهم أن الإنسان شيء لا ينقسم، وتبارك فعل ماض لا يتصرف‏.‏ ومعناه تعالى وتقدس و‏{‏أحسن الخالقين‏}‏ أفعل التفضيل والخلاف فيها إذا أضيفت إلى معرفة هل إضافتها محضة أم غير محضة‏؟‏ فمن قال محضة أعرب ‏{‏أحسن‏}‏ صفة، ومن قال غير محضة أعربه بدلاً‏.‏ وقيل‏:‏ خبر مبتدأ محذوف تقديره هو أحسن الخالقين، ومعنى ‏{‏الخالقين‏}‏ المقدرين وهو وصف يطلق على غير الله تعالى كما قال زهير‏:‏

ولأنت تفري ما خلقت وبع *** ض القوم يخلق ثم لا يفري

قال الأعلم‏:‏ هذا مثل ضربه يعني زهيراً، والخالق الذي لا يقدر الأديم ويهيئه لأن يقطعه ويخرزه والفري القطع‏.‏ والمعنى أنك إذا تهيأت لأمر مضيت له وأنفذته ولم تعجز عنه‏.‏ وقال ابن عطية‏:‏ معناه الصانعين يقال لمن صنع شيئاً خلقه وأنشد بيت زهير‏.‏ قال‏:‏ ولا تُنفي هذه اللفظة عن البشر في معنى الصنع إنما هي منفية بمعنى الاختراع‏.‏ وقال ابن جريج‏:‏ قال ‏{‏الخالقين‏}‏ لأنه أذن لعيسى في أن يخلق وتمييز أفعل التفضيل محذوف لدلالة الخالقين عليه، أي ‏{‏أحسن الخالقين‏}‏ خلقاً أي المقدرين تقديراً‏.‏ وروي أن عمر لما سمع ‏{‏ولقد خلقنا الإنسان‏}‏ إلى آخره قال ‏{‏فتبارك الله أحسن الخالقين‏}‏ فنزلت‏.‏ وروي أن قائل ذلك معاذ‏.‏ وقيل‏:‏ عبد الله بن أبي سرح، وكانت سبب ارتداده ثم أسلم وحَسُنَ إسلامه‏.‏

وقرأ زيد بن عليّ وابن أبي عبلة وابن محيصن لمائتون بالألف يريد حدوث الصفة، فيقال أنت مائت عن قليل وميت ولا يقال مائت للذي قد مات‏.‏ قال الفراء‏:‏ إنما يقال في الاستقبال فقط وكذا قال ابن مالك، وإذا قصد استقبال المصوغة من ثلاثي على غير فاعل ردت إليه ما لم يقدر الوقوع، يعني إنه لا يقال لمن مات مائت‏.‏ وقال الزمخشري‏:‏ والفرق بين الميت والمائت أن الميت كالحي صفة ثابتة، وأما المائت فيدل على الحدوث، تقول‏:‏ زيد مائت الآن ومائت غداً كقولك‏:‏ يموت ونحوها ضيق وضائق في قوله ‏{‏وضائق به صدرك‏}‏ انتهى‏.‏ والإشارة بقوله بعد ذلك إلى هذا التطوير والإنشاء ‏{‏خلقاً آخر‏}‏ أي وانقضاء مدّة حياتكم‏.‏

‏{‏ثم إنكم يوم القيامة تبعثون‏}‏ ونبه تعالى على عظيم قدرته بالاختراع أولاً، ثم بالإعدام ثم بالإيجاد، وذكره الموت والبعث لا يدل على انتفاء الحياة في القبر لأن المقصود ذكر الأجناس الثلاثة الإنشاء والإماتة والإعادة في القبر من جنس الإعادة ومعنى ‏{‏تبعثون‏}‏ للجزاء فإن قلت‏:‏ الموت مقطوع به عند كل أحد، والبعث قد أنكرته طوائف واستبعدته وإن كان مقطوعاً به من جهة الدليل لإمكانه في نفسه ومجيء السمع به فوجب القطع به فما بال جملة الموت جاءت مؤكدة بأن وباللام ولم تؤكد جملة البعث بأن‏؟‏ فالجواب‏:‏ أنه بولغ في تأكيد ذلك تنبيهاً للإنسان أن يكون الموت نصب عينيه ولا يغفل عن ترقبه، فإن مآله إليه فكأنه أكدت جملته ثلاث مرار لهذا المعنى، لأن الإنسان في الحياة الدنيا يسعى فيها غاية السعي، ويؤكد ويجمع حتى كأنه مخلد فيها فنبه بذكر الموت مؤكداً مبالغاً فيه ليقصر، وليعلم أن آخره إلى الفناء فيعمل لدار البقاء، ولم تؤكد جملة البعث إلاّ بأن لأنه أبرز في صورة المقطوع به الذي لا يمكن فيه نزاع ولا يقبل إنكاراً وإنه حتم لا بد من كيانه فلم يحتج إلى توكيد ثان، وكنت سئلت لم دخلت اللام في قوله ‏{‏لميتون‏}‏ ولم تدخل في ‏{‏تبعثون‏}‏ فأجبت‏:‏ بأن اللام مخلصة المضارع للحال غالباً فلا تجامع يوم القيامة، لأن أعمال ‏{‏تبعثون‏}‏ في الظرف المستقبل تخلصه للاستقبال فتنافي الحال، وإنما قلت غالباً لأنه قد جاءت قليلاً مع الظرف المستقبل كقوله تعالى

‏{‏وإن ربك ليحكم بينهم يوم القيامة‏}‏ على أنه يحتمل تأويل هذه الآية وإقرار اللام مخلصة المضارع للحال بأن يقدر عامل في يوم القيامة‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏17- 22‏]‏

‏{‏وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ ‏(‏17‏)‏ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ ‏(‏18‏)‏ فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ‏(‏19‏)‏ وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآَكِلِينَ ‏(‏20‏)‏ وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ‏(‏21‏)‏ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ ‏(‏22‏)‏‏}‏

لما ذكر تعالى ابتداء خلق الإنسان وانتهاء أمره ذكره بنعمه و‏{‏سبع طرائق‏}‏ السموات قيل لها طرائق لتطارق بعضها فوق بعض، طارق النعل جعله على نعل، وطارق بين ثوبين لبس أحدهما على الآخر قاله الخليل والفراء والزجّاج كقوله ‏{‏طباقاً‏}‏ وقيل‏:‏ لأنها طرائق الملائكة في العروج‏.‏ وقيل‏:‏ لأنها طرائق في الكواكب في مسيرها‏.‏ وقيل‏:‏ لأن لكل سماء طريقة وهيئة غير هيئة الأخرى‏.‏ قال ابن عطية‏:‏ ويجوز أن تكون الطرائق بمعنى المبسوطات من طرقت الشيء‏.‏

‏{‏وما كنا عن الخلق غافلين‏}‏ نفى تعالى عنه الغفلة عن خلقه وهو ما خلقه تعالى فهو حافظ السموات من السقوط وحافظ عباده بما يصلحهم، أي هم بمرأى منا ندبرهم كما نشاء ‏{‏بقدر‏}‏ بتقدير منا معلوم لا يزيد ولا ينقص بحسب حاجات الخلق ومصالحهم ‏{‏فأسكناه في الأرض‏}‏ أي جعلنا مقره في الأرض‏.‏ وعن ابن عباس‏:‏ أنزل الله من الجنة خمسة أنهار جيحون وسيحون ودجلة والفرات والنيل‏.‏ وفي قوله ‏{‏فأسكناه في الأرض‏}‏ دليل على أن مقر ما نزل من السماء هو في الأرض، فمنه الأنهار والعيون والآبار وكما أنزله تعالى بقدرته هو قادر على إذهابه‏.‏ قال الزمخشري‏:‏ ‏{‏على ذهاب به‏}‏ من أوقع النكرات وأحزها للمفصل والمعنى على وجه من وجوه الذهاب به وطريق من طرقه انتهى‏.‏ و‏{‏ذهاب‏}‏ مصدر ذهب، والباء في ‏{‏به‏}‏ للتعدية مرادفة للهمزة كقوله ‏{‏لذهب بسمعهم‏}‏ أي لأذهب سمعهم‏.‏ وفي ذلك وعيد وتهديد أي في قدرتنا إذهابه فتهلكون بالعطش أنتم ومواشيكم، وهذا أبلغ في الإيعاد من قوله ‏{‏قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غوراً فمن يأتيكم بماء معين‏}‏ وقال مجاهد‏:‏ ليس في الأرض ماء إلاّ وهو من السماء‏.‏ قال ابن عطية‏:‏ ويمكن أن يقيد هذا بالعذاب وإلاّ فالأجاج نابت في الأرض مع القحط والعذب يقل مع القحط، وأيضاً فالأحاديث تقتضي الماء الذي كان قبل خلق السموات والأرض، ولا محالة أن الله قد جعل في الأرض ماء وأنزل من السماء انتهى‏.‏ وقيل‏:‏ ما نزل من السماء أصله من البحر، رفعه تعالى بلطفه وحسن تقديره من البحر إلى السماء حتى طاب بذلك الرفع والتصعيد، ثم أنزله إلى الأرض لينتفع به ولو كان باقياً على حاله ما انتفع به من ملوحته‏.‏

ولما ذكر تعالى نعمة الماء ذكر ما ينشأ عنه فقال ‏{‏فأنشأنا لكم به جنات‏}‏ وخص هذه الأنواع الثلاثة من النخل والعنب والزيتون لأنها أكرم الشجر وأجمعها للمنافع، ووصف النخل والعنب بقوله ‏{‏لكم فيها‏}‏ إلى آخره لأن ثمرهما جامع بين أمرين أنه فاكهة يتفكه بها، وطعام يؤكل رطباً ويابساً رطباً وعنباً وتمراً وزبيباً، والزيتون بأن دهنه صالح للاستصباح والاصطباغ جميعاً، ويحتمل أن يكون قوله ‏{‏ومنها تأكلون‏}‏ من قولهم‏:‏ فلان يأكل من حرفة يحترفها، ومن صنعة يغتلها، ومن تجارة يتربح بها يعنون أنها طعمته وجهته التي منها يحصل رزقه‏.‏

كأنه قال‏:‏ وهذه الجنات وجوه أرزاقكم ومعايشكم منها ترتزقون وتتعيشون قاله الزمخشري‏.‏ وقال الطبري‏:‏ وذكر النخيل والأعناب لأنها ثمرة الحجاز بالطائف والمدينة وغيرهما، والضمير في ‏{‏ولكم فيها‏}‏ عائد على الجنات وهو أعم لسائر الثمرات، ويجوز أن يعود على النخيل والأعناب‏.‏

وعطف ‏{‏وشجرة‏}‏ على جنات وهي شجرة الزيتون وهي كثيرة بالشام‏.‏ وقال الجمهور ‏{‏سيناء‏}‏ اسم الجبل كما تقول‏:‏ جبل أحد من إضافة العام إلى الخاص‏.‏ وقال مجاهد‏:‏ معنى ‏{‏سيناء‏}‏ مبارك‏.‏ وقال قتادة‏:‏ معناه الحسن والقولان عن ابن عباس‏.‏ وقيل الحسن بالحبشة‏.‏ وقيل‏:‏ بالنبطية‏.‏ وقال معمر عن فرقة‏:‏ معناه ذو شجر‏.‏ وقيل‏:‏ ‏{‏سيناء‏}‏ اسم حجارة بعينها أضيف الجبل إليها لوجودها عنده قاله مجاهد أيضاً‏.‏ وقرأ الحرميان وأبو عمرو والحسن بكسر السين وهي لغة لبني كنانة‏.‏ وقرأ عمر بن الخطاب وباقي السبعة بالفتح وهي لغة سائر العرب‏.‏ وقرأ سيني مقصوراً وبفتح السين والأصح أن ‏{‏سيناء‏}‏ اسم بقعة وأنه ليس مشتقاً من السناء لاختلاف المادتين على تقدير أن يكون سيناء عربي الوضع لأن نون السناء عين الكلمة وعين سيناء ياء‏.‏

وقرأ الجمهور ‏{‏تنبت‏}‏ بفتح التاء وضم الباء والباء في ‏{‏بالدهن‏}‏ على هذا باء الحال أي ‏{‏تنبت‏}‏ مصحوبة ‏{‏بالدهن‏}‏ أي ومعها الدهن‏.‏ وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وسلام وسهل ورويس والجحدري بضم التاء وكسر الباء، فقيل ‏{‏بالدهن‏}‏ مفعول والباء زائدة التقدير تنبت الدهن‏.‏ وقيل‏:‏ المفعول محذوف أي ‏{‏تنبت‏}‏ جناها و‏{‏بالدهن‏}‏ في موضع الحال من المفعول المحذوف أي تنبت جناها ومعه الدهن‏.‏ وقيل‏:‏ أنبت لازم كنبت فتكون الباء للحال، وكان الأصمعي ينكر ذلك ويتهم من روى في بيت زهير‏:‏

قطينا بها حتى إذا أنبت البقل *** بلفظ أنبت‏.‏ وقرأ الحسن والزهري وابن هرمز بضم التاء وفتح الباء مبنياً للمفعول و‏{‏بالدهن‏}‏ حال‏.‏ وقرأ زر بن حبيش بضم التاء وكسر الباء الدهن بالنصب‏.‏ وقرأ سليمان بن عبد الملك والأشهب بالدهان بالألف، وما رووا من قراءة عبد الله يخرج الدهن وقراءة أُبي تثمر بالدهن محمول على التفسير لمخالفته سواد المصحف المجمع عليه، ولأن الرواية الثابتة عنهما كقراءة الجمهور والصبغ الغمس والائتدام‏.‏

وقال مقاتل‏:‏ الصبغ الزيتون والدهن الزيت جعل تعالى في هذه الشجرة تأدماً ودهناً‏.‏ وقال الكرماني‏:‏ القياس أن يكون الصبغ غير الدهن لأن المعطوف غير المعطوف عليه‏.‏ وقرأ الأعمش وصبغاً بالنصب‏.‏ وقرأ عامر بن عبد الله وصباغ بالألف، فالنصب عطف على موضع ‏{‏بالدهن‏}‏ كان في موضع الحال أو في موضع المفعول، والصباغ كالدبغ والدباغ وفي كتاب ابن عطية‏.‏ وقرأ عامر بن عبد قيس ومتاعاً ‏{‏للآكلين‏}‏ كأنه يريد تفسير الصبغ‏.‏

ذكر تعالى شرف مقر هذه الشجرة وهو الجبل الذي كلم الله فيه نجيه موسى عليه السلام، ثم ذكر ما فيها من الدهن والصبغ ووصفها بالبركة في قوله ‏{‏من شجرة مباركة زيتونة‏}‏ قيل‏:‏ وهي أول شجرة نبتت بعد الطوفان ‏{‏وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونها‏}‏ تقدم تفسير نظير هذه الجملة في النحل ‏{‏ولكم فيها منافع‏}‏ من الحمل والركوب والحرث والانتفاع بجلودها وأوبارها، ونبه على غزارة فوائدها وألزامها وهو الشرب والأكل، وأدرج باقي المنافع في قوله ‏{‏ولكم فيها منافع كثيرة‏}‏ ثم ذكر ما تكاد تختص به بعض الأنعام وهو الحمل عليها وقرنها بالفلك لأنها سفائن البر كما أن ‏{‏الفلك‏}‏ سفائن البحر‏.‏ قال ذو الرمة‏:‏

سفينة بر تحت خدي زمامها *** يريد صيدح ناقته‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏23- 30‏]‏

‏{‏وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ ‏(‏23‏)‏ فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آَبَائِنَا الْأَوَّلِينَ ‏(‏24‏)‏ إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ ‏(‏25‏)‏ قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ ‏(‏26‏)‏ فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ ‏(‏27‏)‏ فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ‏(‏28‏)‏ وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ ‏(‏29‏)‏ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ ‏(‏30‏)‏‏}‏

لما ذكر أولاً بدء الإنسان وتطوّره في تلك الأطوار، وما امتن به عليه مما جعله تعالى سبباً لحياتهم، وإدراك مقاصدهم، ذكر أمثالاً لكفار قريش من الأمم السابقة المنكرة لإرسال الله رسلاً المكذبة بما جاءتهم به الأنبياء عن الله، فابتدأ قصة نوح لأنه أبو البشر الثاني كما ذكر أولاً آدم في قوله ‏{‏من سلالة من طين‏}‏ ولقصته أيضاً مناسبة بما قبلها إذ قبلها ‏{‏وعلى الفلك تحملون‏}‏ فذكر قصة من صنع الفلك أولاً وأنه كان سبب نجاة من آمن وهلك من لم يكن فيه الفلك من نعمة الله، كل هذه القصص يحذر بها قريشاً نقم الله ويذكرهم نعمه‏.‏

‏{‏ما لكم من إله غيري‏}‏ جملة مستأنفة منبهة على أن يفرد بالعبادة من كان منفرداً بالإلهية فكأنها تعليل لقوله ‏{‏اعبدوا الله‏}‏ ‏{‏أفلا تتقون‏}‏ أي أفلا تخافون عقوبته إذا عبدتم غيره ‏{‏فقال الملأ‏}‏ أي كبراء الناس وعظماؤهم، وهم الذين هم أعصى الناس وأبعدهم لقبول الخير‏.‏ ‏{‏ما هذا إلاّ بشر مثلكم‏}‏ أي مساويكم في البشرية‏.‏ ‏{‏فأنى تؤفكون‏}‏ اختصاص بالرسالة‏.‏

‏{‏يريد أن يتفضل عليكم‏}‏ أي يطلب الفضل عليكم ويرأسكم كقوله‏:‏ ‏{‏وتكون لكما الكبرياء في الأرض‏}‏ ‏{‏ولو شاء الله لأنزل ملائكة‏}‏ هذا يدل على أنهم كانوا مقرين بالملائكة وهذه شنشنة قريش ودأبها في استبعاد إرسال الله البشر، والإشارة في هذا تحتمل أن تكون لنوح عليه السلام، وأن تكون إلى ما كلمهم به من الأمر بعبادة الله ورفض أصنامهم، وأن يكون إلى ما أتى به من أنه رسول الله وهو بشر، وأعجب بضلال هؤلاء استبعدوا رسالة البشر واعتقدوا إلهية الحجر‏.‏ وقولهم ‏{‏ما سمعنا بهذا‏}‏ الظاهر أنهم كانوا مباهتين وإلاّ فنبوّة إدريس وآدم لم تكن المدة بينها وبينهم متطاولة بحيث تنسى فدافعوا الحق بما أمكنهم دفاعه، ولهذا قالوا ‏{‏إن هو إلاّ رجل به جنة‏}‏ ومعلوم عندهم أنه ليس بمجنون ‏{‏فتربصوا به‏}‏ أي انتظروا حاله حتى يجلى أمره وعاقبة خبره‏.‏

فدعا ربه تعالى بأن ينصره ويظفره بهم بسبب ما كذبوه‏.‏ وقال الزمخشري‏:‏ يدل ما كذبون كما تقول‏:‏ هذا بذاك أي بدل ذاك ومكانه، والمعنى أبدلني من غم تكذيبهم سلوة النصر عليهم أو انصرني بإنجاز ما وعدتهم من العذاب، وهو ما كذبوه فيه حين قال لهم ‏{‏إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم‏}‏ انتهى‏.‏

وقرأ أبو جعفر وابن محيصن ‏{‏قال رب‏}‏ بضم الباء، وتقدم توجيهه في قوله ‏{‏قال رب احكم‏}‏ بضم الباء وتقدم الكلام على أكثر تفسير ألفاظ هذه الآية في سورة هود، ونهاه تعالى أن يخاطبه في قومه بدعاء نجاة أو غيره وبين علة النهي بأنه تعالى قد حكم عليهم بالإغراق، وأمره تعالى بأن يحمده على نجاته وهلاكهم وكان الأمر له وحده وإن كان الشرط قد شمله ومن معه لأنه نبيهم وإمامهم وهم متبعوه في ذلك إذ هو قدوتهم‏.‏

قال مع ما فيه من الإشعار بفضل النبوّة وإظهار كبرياء الربوبية وأن رتبة تلك المخاطبة لا يترقى إليها إلاّ ملك أو نبي انتهى‏.‏

ثم أمره أن يدعوه بأنه ينزله ‏{‏منزلاً مباركاً‏}‏ قيل وقال ذلك عند الركوب في السفينة‏.‏ وقيل‏:‏ عند الخروج منها‏.‏ وقرأ الجمهور ‏{‏مُنزلاً‏}‏ بضم الميم وفتح الزاي فجاز أن يكون مصدراً ومكاناً أي إنزالاً أو موضع إنزال‏.‏ وقرأ أبو بكر والمفضل وأبو حيوة وابن أبي عبلة وأبان‏:‏ بفتح الميم وكسر الزاي أي مكان نزول ‏{‏إن في ذلك‏}‏ خطاب للرسول عليه الصلاة والسلام أي إن في ما جرى على هذه أمّة نوح لدلائل وعبراً ‏{‏وإن كنا لمبتلين‏}‏ أي لمصيبين قوم نوح ببلاء عظيم أو لمختبرين بهذه الآيات عبادنا ليعتبروا كقوله ‏{‏ولقد تركناها آية فهل من مدكر‏.‏‏}‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏31- 41‏]‏

‏{‏ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آَخَرِينَ ‏(‏31‏)‏ فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ ‏(‏32‏)‏ وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآَخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ ‏(‏33‏)‏ وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ ‏(‏34‏)‏ أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ ‏(‏35‏)‏ هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ ‏(‏36‏)‏ إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ ‏(‏37‏)‏ إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ ‏(‏38‏)‏ قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ ‏(‏39‏)‏ قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ ‏(‏40‏)‏ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ‏(‏41‏)‏‏}‏

ذكر هذه القصة عقيب قصة نوح، يظهر أن هؤلاء هم قوم هود والرسول هو هود عليه السلام وهو قول الأكثرين‏.‏ وقال أبو سليمان الدمشقي والطبري‏:‏ هم ثمود، والرسول صالح عليه السلام هلكوا بالصيحة‏.‏ وفي آخر القصة ‏{‏فأخذتهم الصيحة‏}‏ ولم يأت أن قوم هود هلكوا بالصيحة وقصة قوم هود جاءت في الأعراف، وفي هود، وفي الشعراء بأثر قصة قوم نوح‏.‏ وقال تعالى ‏{‏واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح‏}‏ والأصل في أرسل أن يتعدى بإلى كإخوانه وجه، وأنفذ وبعث وهنا عُدِّي بفي، جعلت الأمة موضعاً للإرسال كما قال رؤبة‏:‏

أرسلت فيها مصعباً ذا إقحام *** وجاء بعث كذلك في قوله ‏{‏ويوم نبعث في كل أمة‏}‏ ‏{‏ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيراً‏}‏ و‏{‏إن‏}‏ في ‏{‏أن اعبدوا الله‏}‏ يجوز أن تكون مفسرة وأن تكون مصدرية وجاء هنا ‏{‏وقال الملأ‏}‏ بالواو‏.‏ وفي الأعراف وسورة هود في قصه بغير واو قصد في الواو العطف على ما قاله، أي اجتمع قوله الذي هو حق، وقولهم الذي هو باطل كأنه إخبار بتباين الحالين والتي بغير واو قصد به الاستئناف وكأنه جواب لسؤال مقدر، أي فما كان قولهم له قال قالوا كيت وكيت ‏{‏بلقاء الآخرة‏}‏ أي بلقاء الجزاء من الثواب والعقاب فيها ‏{‏وأترفناهم‏}‏ أي بسطنا لهم الآمال والأرزاق ونعمناهم، واحتملت هذه الجملة أن تكون معطوفة على صلة الذين، وكان العطف مشعراً بغلبة التكذيب والكفر، أي الحامل لهم على ذلك كوننا نعمناهم وأحسنا إليهم، وكان ينبغي أن يكون الأمر بخلاف ذلك وأن يقابلوا نعمتنا بالإيمان وتصديق من أرسلته إليهم، وأن تكون جملة حالية أي وقد ‏{‏أترفناهم‏}‏ أي ‏{‏كذبوا‏}‏ في هذه الحال، ويؤول هذا المعنى إلى المعنى الأول أي ‏{‏كذبوا‏}‏ في حال الإحسان إليهم، وكان ينبغي أن لا يكفروا وأن يشكروا النعمة بالإيمان والتصديق لرسلي‏.‏

وقوله ‏{‏يأكل مما تأكلون منه‏}‏ تحقيق للبشرية وحكم بالتساوي بينه وبينهم، وأن لا مزية له عليهم، والظاهر أن ما موصولة في قوله ‏{‏مما تشربون‏}‏ وأن العائد محذوف تقديره ‏{‏مما تشربون‏}‏ منه لوجود شرائط الحذف، وهو اتحاد المتعلق والمتعلق كقوله‏:‏ مررت بالذي مررت، وحسن هذا الحذف ورجحه كون ‏{‏تشربون‏}‏ فاصلة ولدلالة منه عليه في قوله ‏{‏مما تأكلون منه‏}‏ وفي التحرير وزعم الفراء أن معنى قوله ‏{‏ويشرب مما تشربون‏}‏ على حذف أي ‏{‏مما تشربون‏}‏ منه، وهذا لا يجوز عند البصريين ولا يحتاج إلى حذف ألبتة لأن ما إذا كانت مصدراً لم تحتج إلى عائد، فإن جعلتها بمعنى الذي حذفت المفعول ولم تحتج إلى إضمار من انتهى‏.‏ يعني أنه يصير التقدير مما تشربونه، فيكون المحذوف ضميراً متصلاً وشروط جواز الحذف فيه موجودة، وهذا تخريج على قاعدة البصريين إلاّ أنه يفوت فصاحة معادلة التركيب ألا ترى أنه قال ‏{‏مما تأكلون منه‏}‏ فعداه بمن التبعيضية، فالمعادلة تقتضي أن يكون التقدير ‏{‏مما تشربون‏}‏ منه، فلو كان التركيب مما تأكلونه لكان تقدير تشربونه هو الراجح‏.‏

وقال الزمخشري‏:‏ حذف الضمير والمعنى من مشروبكم أو حذف منه لدلالة ما قبله عليه انتهى‏.‏ فقوله حذف الضمير معناه مما تشربونه وفسره بقوله مشروبكم لأن الذي تشربونه هو مشروبكم‏.‏

وقال الزمخشري ‏{‏إذاً‏}‏ واقع في جزاء الشرط وجواب للذين قاولوهم من قومهم، أي تخسرون عقولكم وتغبنون في آبائكم انتهى‏.‏ وليس ‏{‏إذاً‏}‏ واقعاً في جزاء الشرط بل واقعاً بين ‏{‏إنكم‏}‏ والخبر و‏{‏إنكم‏}‏ والخبر ليس جزاء للشرط بل ذلك جملة جواب القسم المحذوف قبل إن الموطئة، ولو كانت ‏{‏إنكم‏}‏ والخبر جواباً للشرط للزمت الفاء في ‏{‏إنكم‏}‏ بل لو كان بالفاء في تركيب غير القرآن لم يكن ذلك التركيب جائزاً إلاّ عند الفراء، والبصريون لا يجيزونه وهو عندهم خطأ‏.‏ واختلف المعربون في تخريج ‏{‏أنكم‏}‏ الثانية، والمنقول عن سيبويه أن ‏{‏أنكم‏}‏ بدل من الأولى وفيها معنى التأكيد، وخبر ‏{‏إنكم‏}‏ الأولى محذوف لدلالة خبر الثانية عليه تقديره ‏{‏إنكم‏}‏ تبعثون ‏{‏إذا متم‏}‏ وهذا الخبر المحذوف هو العامل في ‏{‏أذلة‏}‏ وذهب الفراء والجرمي والمبرد إلى أن ‏{‏أنكم‏}‏ الثانية كررت للتأكيد لما طال الكلام حسن التكرار، وعلى هذا يكون ‏{‏مخرجون‏}‏ خبر ‏{‏أنكم‏}‏ الأولى، والعامل في ‏{‏إذا‏}‏ هو هذا الخبر، وكان المبرد يأبى البدل لكونه من غير مستقبل إذ لم يذكر خبر أن الأولى‏.‏ وذهب الأخفش إلى أن ‏{‏أنكم مخرجون‏}‏ مقدر بمصدر مرفوع بفعل محذوف تقديره‏:‏ يحدث إخراجكم فعلى هذا التقدير يجوز أن تكون الجملة الشرطية خبراً لأنكم، ويكون جواب ‏{‏إذا‏}‏ ذلك الفعل المحذوف، ويجوز أن يكون ذلك الفعل المحذوف هو خبر ‏{‏إنكم‏}‏ ويكون عاملاً في ‏{‏إذا‏}‏‏.‏

وذكر الزمخشري قول المبرد بادئاً به فقال‏:‏ ثنى ‏{‏إنكم‏}‏ للتوكيد، وحسن ذلك الفصل ما بين الأول والثاني بالظرف و‏{‏مخرجون‏}‏ خبر عن الأول وهذا قول المبرد‏.‏ قال الزمخشري‏:‏ أو جعل ‏{‏إنكم مخرجون‏}‏ مبتدأ و‏{‏إذا متم‏}‏ خبراً على معنى إخراجكم إذا متم، ثم أخبر بالجملة عن ‏{‏أنكم‏}‏ انتهى‏.‏ وهذا تخريج سهل لا تكلف فيه‏.‏ قال‏:‏ أو رفع ‏{‏إنكم مخرجون‏}‏ بفعل هو جزاء الشرط كأنه قيل ‏{‏إذا متم‏}‏ وقع إخراجكم انتهى‏.‏ وهذا قول الأخفش إلا أنه حتم أن تكون الجملة الشرطية خبراً عن ‏{‏أنكم‏}‏ ونحن جوزنا في قول الأخفش هذا الوجه، وأن يكون خبر ‏{‏إنكم‏}‏ ذلك الفعل المحذوف وهو العامل في ‏{‏إذا‏}‏ وفي قراءة عبد الله ‏{‏أيعدكم‏}‏ ‏{‏إذا متم‏}‏ بإسقاط ‏{‏إنكم‏}‏ الأولى‏.‏

وقرأ الجمهور ‏{‏هيهات هيهات‏}‏ بفتح التاءين وهي لغة الحجاز‏.‏ وقرأ هارون عن أبي عمرو بفتحهما منونتين ونسبها ابن عطية لخالد بن إلياس‏.‏ وقرأ أبو حيوة بضمهما من غير تنوين، وعنه عن الأحمر بالضم والتنوين وافقه أبو السماك في الأول وخالفه في الثاني‏.‏

وقرأ أبو جعفر وشيبة بكسرهما من غير تنوين، وروي هذا عن عيسى وهي في تميم وأسد وعنه أيضاً، وعن خالد بن إلياس بكسرهما والتنوين‏.‏ وقرأ خارجة بن مصعب عن أبي عمرو والأعرج وعيسى أيضاً بإسكانهما، وهذه الكلمة تلاعبت بها العرب تلاعباً كبيراً بالحذف والإبدال والتنوين وغيره، وقد ذكرنا في التكميل لشرح التسهيل ما ينيف على أربعين لغة، فالذي اختاره أنها إذا نونت وكسرت أو كسرت ولم تنون لا تكون جمعاً لهيهات، ومذهب سيبويه أنها جمع لهيهات وكان حقها عنده أن تكون ‏{‏هيهات‏}‏ إلاّ أن ضعفها لم يقتض إظهار الباء قال سيبويه، هي مثل بيضات يعني في أنها جمع، فظن بعض النحاة أنه أراد في اتفاق المفرد، فقال واحد‏:‏ هيهات هيهة، وتحرير هذا كله مذكور في علم النحو ولا تستعمل هذه الكلمة غالباً إلاّ مكررة، وجاءت غير مكررة في قول جرير‏:‏

وهيهات خل بالعقيق نواصله *** وقول رؤبة‏:‏

هيهات من متحرق هيهاؤه *** و‏{‏هيهات‏}‏ اسم فعل لا يتعدى برفع الفاعل ظاهراً أو مضمراً، وهنا جاء التركيب ‏{‏هيهات هيهات لما توعدون‏}‏ لم يظهر الفاعل فوجب ن يعتقد إضمار تقديره هو أي إخراجكم، وجاءت اللام للبيان أي أعني لما توعدون كهي بعد بعد سقياً لك فتتعلق بمحذوف وبنيت المستبعد ما هو بعد اسم الفعل الدال على البعد كما جاءت في ‏{‏هيت لك‏}‏ لبيان المهيت به‏.‏ وقال الزجاج‏:‏ البعد ‏{‏لما توعدون‏}‏ أو بعد ‏{‏لما توعدون‏}‏ وينبغي أن يجعل كلامه تفسير معنى لا تفسير إعراب لأنه لم تثبت مصدرية ‏{‏هيهات‏}‏ وقول الزمخشري‏:‏ فمن نونه نزله منزلة المصدر ليس بواضح لأنهم قد نونوا أسماء الأفعال، ولا نقول إنها إذا نونت تنزلت منزلة المصدر‏.‏ وقال ابن عطية‏:‏ طوراً تلي الفاعل دون لام تقول هيهات مجيء زيد أي بعد، وأحياناً يكون الفاعل محذوفاً وذلك عند اللام كهذه الآية التقدير بعد الوجود ‏{‏لما توعدون‏}‏ انتهى‏.‏ وهذا ليس بجيد لأن فيه حذف الفاعل، وفيه أنه مصدر حذف وأبقى معموله ولا يجيز البصريون شيئاً من هذا‏.‏ وقال ابن عطية أيضاً في قراءة من ضم ونون أنه اسم معرب مستقل، وخبره ‏{‏لما توعدون‏}‏ أي البعد لوعدكم كما تقول‏:‏ النجح لسعيك‏.‏ وقال صاحب اللوامح‏:‏ فأما من قال ‏{‏هيهات‏}‏ فرفع ونون احتمل أن يكونا اسمين متمكنين مرتفعين بالابتداء وما بعدهما خبرهما من حروف الجر بمعنى البعد ‏{‏لما توعدون‏}‏ والتكرار للتأكيد، ويجوز أن يكونا اسمين للفعل والضم للبناء مثل حوب في زجر الإبل لكنه نون لكونه نكرة انتهى‏.‏ وقرأ ابن أبي عبلة ‏{‏هيهات هيهات‏}‏ ما ‏{‏توعدون‏}‏ بغير لام وتكون ما فاعلة بهيهات‏.‏ وهي قراءة واضحة‏.‏

وقالوا ‏{‏إن هي‏}‏ هذا الضمير يفسره سياق الكلام لأنهم قبل أنكروا المعاد فقالوا ‏{‏أيعدكم أنكم‏}‏ الآية فاستفهموا استفهام استبعاد وتوقيف واستهزاء، فتضمن أن لا حياة إلاّ حياتهم‏.‏

وقال الزمخشري‏:‏ هذا ضمير لا يعلم ما يعني به إلا بما يتلوه من بيانه، وأصله أن الحياة ‏{‏إلاّ حياتنا‏}‏ الدنيا ثم وضع ‏{‏هي‏}‏ موضع الحياة لأن الخبر يدل عليها ويبنيها، ومنه هي النفس تتحمل ما حملت وهي العرب تقول‏:‏ ما شاءت، والمعنى‏:‏ لا حياة إلاّ هذه الحياة الدنيا لأن ‏{‏إن‏}‏ الثانية دخلت على ‏{‏هي‏}‏ التي هي في معنى الحياة الدالة على الجنس فنفتها فوازنت لا التي نفت ما بعدها نفي الجنس‏.‏

‏{‏نموت ونحيا‏}‏ أي يموت بعض ويولد بعض ينقرض قرن ويأتي قرن انتهى، ثم أكدوا ما حصروه من أن لا حياة إلاّ حياتهم وحرموا بانتفاء بعثهم من قبورهم للجزاء وهذا هو كفر الدهرية، ثم نسبوه إلى افتراء الكذب على الله في أنه نبأه وأرسله إلينا وأخبره أنا نبعث ‏{‏وما نحن له بمؤمنين‏}‏ أي بمصدّقين، ولما أيس من إيمانهم ورأى إصرارهم على الكفر دعا عليهم وطلب عقوبتهم على تكذيبهم ‏{‏قال‏:‏ عما قليل‏}‏ أي عن زمن قليل، وما توكيد للقلة وقليل صفة لزمن محذوف وفي معناه قريب‏.‏ قيل‏:‏ أي بعد الموت تصيرون نادمين‏.‏ وقيل ‏{‏عما قليل‏}‏ أي وقت نزول العذاب في الدنيا ظهور علاماته والندامة على ترك قبول ما جاءهم به رسولهم حيث لا ينفع الرجوع، واللام في ‏{‏ليصبحن‏}‏ لام القسم و‏{‏عما قليل‏}‏ متعلق بما بعد اللام إما بيصبحن وإما بنادمين، وجاز ذلك لأنه جار ومجرور ويتسامح في المجرورات والظروف ما لا يتسامح في غيرها، ألا ترى أنه لو كان مفعولاً به لم يجز تقديمه لو قلت‏:‏ لأضربن زيداً لم يجز زيداً لأضربن، وهذا الذي قررناه من أن ‏{‏عما قليل‏}‏ يتعلق بما بعد لام القسم هو قول بعض أصحابنا وجمهورهم على أن لام القسم لا يتقدم شيء من معمولات ما بعدها عليها سواء كان ظرفاً أو مجروراً أو غيرهما، فعلى قول هو لا يكون ‏{‏عما قليل‏}‏ يتعلق بمحذوف يدل عليه ما قبله تقديره ‏{‏عما قليل‏}‏ تنصر لأن قبله قال ‏{‏رب انصرني‏}‏‏.‏ وذهب الفراء وأبو عبيدة إلى جواز تقديم معمول ما بعد هذه اللام عليها مطلقاً‏.‏ وفي اللوامح عن بعضهم لتصبحن بتاء على المخاطبة، فلو ذهب ذاهب إلى أن يصير القول من الرسول إلى الكفار بعدما أجيب دعاؤه لكان جائزاً والله أعلم انتهى‏.‏

‏{‏فأخذتهم الصيحة‏}‏ قال الزمخشري‏:‏ صيحة جبريل عليه السلام صاح عليهم فدمرهم ‏{‏بالحق‏}‏ بالوجوب لأنهم قد استوجبوا الهلاك أو بالعدل من الله من قولك‏:‏ فلان يقضي بالحق إذا كان عادلاً في قضاياه شبههم بالغثاء في دمارهم وهو حميل السيل مما بلي واسودّ من الورق والعيدان انتهى‏.‏ وعن ابن عباس ‏{‏الصيحة‏}‏ الرجفة‏.‏ وقيل‏:‏ هي نفس العذاب والموت‏.‏ وقيل‏:‏ العذاب المصطلم‏.‏ قال الشاعر‏:‏

صاح الزمان بآل زيد صيحة *** خروا لشنتها على الأذقان

وقال المفضل‏:‏ ‏{‏بالحق‏}‏ بما لا مدفع له كقولك‏:‏ وجاءت سكرة الموت بالحق‏.‏ وانتصب بعداً بفعل متروك إظهاره أي بعدوا بعداً‏.‏ أي هلكوا، يقال بعد بعداً وبعداً نحو رشد رشداً ورشداً‏.‏ وقال الحوفي ‏{‏للقوم‏}‏ متعلق ببعداً‏.‏ وقال الزمخشري‏:‏ و‏{‏للقوم الظالمين‏}‏ بيان لمن دعى عليه بالبعد نحو ‏{‏هيت لك‏}‏ و‏{‏لما توعدون‏}‏ انتهى فلا تتعلق ببعداً بل بمحذوف‏.‏